إذن : فالقيام يقابله القعود ، والقوم يقابلهم النساء . والقعود هو مقدمة للسكون ، فمتى جلس الإنسان فهناك مقدمة لفترة من السكون ، وقعود المنافقين وتخلفهم واستئذانهم أن يبقوا مع النساء والعجزة والمرضى والصبية هو حطّ من شأنهم .
ولذلك يقول عنهم الحق سبحانه وتعالى :
[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 87 ]
رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ ( 87 )
و
الْخَوالِفِ
ليست جمع « خالف » ولكنها جمع « خالفة » ؛ لأن « خالف » لا تجمع على « فواعل » ، وإنما « خالفة » هي التي تجمع على « فواعل » « 1 » ، وهم قد ارتضوا لأنفسهم أن يطبق عليهم الحكم الذي يطبق على النساء .
ولذلك كانوا
لا يَفْقَهُونَ
لأنهم ارتضوا لأنفسهم وصفا لا يليق بالرجال وفرحوا بهذا الوصف دون أن يتنبهوا لما فيه من إهانة لهم ؛ لأنهم يهربون من القتال كما تهرب النساء . والمنافق - كما قلنا - له ملكتان :
ملكة قولية ، وملكة قلبية . فقول المنافق إعلان بالإيمان ، أما قلبه فهو ممتلئ بالكفر ؛ وفي هذه الحالة تتضارب ملكاته .
واللّه سبحانه وتعالى يوضح لهم : سوف نعاملكم في الدنيا بظاهر كلامهم ، ونعاملكم في الآخرة بباطن قلوبكم ، وسوف نطبع على هذه
هامش
( 1 ) لا يجمع « فاعل » صفة للمذكر العاقل على « فواعل » ، إلا في أمثلة قليلة اعتبرها الأقدمون شاذة عن القاعدة مثل : ( فارس ، فوارس ) - ( هالك ، هوالك ) - ( ناكس ، نواكس ) وقد وصل بها المعاصرون إلى أكثر من ثلاثين مثالا ، وإن كانوا قد قالوا : الأفضل الالتزام بالقاعدة ، وهي : « لا تجمع صيغة فاعل على فواعل إذا كانت وصفا لمذكر عاقل » . انظر في هذه المسألة النحو الوافي لعباس حسن ( 4 / 653 - 655 ) ولابن منظور في هذا كلام في مادة ( فرس ) .