تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5396

مساهمون:

ص٥٣٩٦
سبحانه عن رزق الأولاد لم يلتفتوا إلى صدري الآيتين بل التفتوا إلى عجز الآيتين ، وذلك من جهلهم بملكة الأداء في البيان العربي . ولنا أن نسأل هؤلاء المستشرقين الذين يثيرون مثل هذه الأقاويل : هل ترون أن آية من الآيتين أقل بلاغة من الأخرى ؟ ولن نجد إجابة عندهم ؛ لأنهم لا يعرفون دقة البيان العربي . ونقول لهم : أنتم إن نظرتم إلى عجز كل آية وصدرها لوجدتم أن آخر الآية يقتضى أولها ، وإلا لما استقام المعنى ، فالله سبحانه وتعالى لم يقل في الآيتين :
وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ
وإنما قال :
مِنْ إِمْلاقٍ
وقال :
خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ،
ولم يقل في الآيتين :
نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ
بل قال :
نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ
وقال :
نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ .
إذن : فبداية الآيتين مختلفة ؛ الآية الأولى :
وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ .
والإملاق هو الفقر ، فكأن الفقر موجود فعلا . وقوله تعالى :
وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ،
فكأن الفقر غير موجود ، ولكن الإنسان قد يخشى أن يأتي الفقر بمجىء الأولاد . إذن : فالآية الأولى تخاطب الفقراء فعلا ، والآية الثانية تخاطب غير الفقراء الذين يخشون مجىء الفقر إن رزقوا بأولاد ؛ والفقير - كما نعلم - يشغل برزقه أولا قبل أن يشغل برزق أولاده . ولذلك يطمئنه الحق سبحانه وتعالى على أن أولاده لن يأخذوا من رزقه شيئا ، فيقول :
نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ
أي : اطمئن أيها الفقير على رزقك فلن يأخذ أولادك منه شيئا ؛ لأن الحق سبحانه وتعالى يرزقك أولا ويرزق أولادك أيضا .
تفسير الشعراوى — صفحة 5396 | محمد متولي الشعراوي