تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5394

مساهمون:

ص٥٣٩٤
من ذلك العمل على قبور المنافقين « 1 » . ويعطينا الحق سبحانه العلة في ذلك فيقول :
إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ
وعرفنا كيف كفروا بالله ورسوله ، لكن ماذا عن قوله الحق :
وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ .
فهل ماتوا وهم خارجون عن المنهج ؟ نعم ، تماما مثلما نقول : فسقت الرطبة ؛ لأن البلح في نضجه يكون أحمر اللون أو أصفر وتلتصق قشرته به ، فإذا رطب انفصلت القشرة عن البلحة ، بحيث تستطيع أن تنزعها بسهولة ، فكأن منهج اللّه بالنسبة للمؤمن لا بد أن يلتصق به كقشرة البلحة الحمراء ، وإذا انفصل عنه مثل قشرة الرطبة يصاب بالفساد . ولكن هنا نتساءل : أليس الكفر أكبر مرتبة من الفسق ؟ لأننا نعلم أنه ليس بعد الكفر ذنب ؟ فكيف يقول الحق سبحانه وتعالى :
وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ
مع أنهم كفروا ، والكفر أكبر الذنوب ؟ ونقول : إن الكفر هو عدم الإيمان بالله ورسوله وعدم الدخول في الإسلام ، ولكن الفسق هو عدم الالتزام بأية قيم ، ذلك أن الدين قد أوجد في النفوس عامة قيما معروفة يتبعها حتى الذين كفروا ، فمثلا عندما أرادوا بناء الكعبة قبل الإسلام ، قالوا : نريد أن نبنيها بمال حلال ، لا يدخل فيه مال بغىّ « 2 » . وكانوا في الماضي يحضرون البغايا ، ويقيمون لهن الرايات ، ويأخذون من أموالهن . لم يكن الإسلام قد جاء بعد ، ولكن كانت هناك قيم من مناهج السماء التي جاءت قبل الإسلام . وجاء الإسلام موافقا لبعضها .
هامش
( 1 ) ومما ورد في سبب نزول قوله تعالى :وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ[ التوبة : 84 ] أنه لما مات عبد اللّه بن أبي أتى ابنه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : يا رسول اللّه ، وإنك لم تأته لم نزل نعيّر بهذا ، فأتاه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فوجده قد ادخل في حفرته فقال : « أفلا قبل أن تدخلوه ؟ » فأخرج من حفرته وتفل عليه من ريقه من قرنه إلى قدمه وألبسه قميصه . أخرجه الإمام أحمد في مسنده ( 3 / 371 ) . ( 2 ) وذلك أنه عندما أرادت قريش أن تبنى الكعبة قام أبو وهب بن عمرو بن مخزوم وتناول من الكعبة حجرا ، فوثب من يده ، حتى رجع إلى موضعه ، فقال : يا معشر قريش ، لا تدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيبا ، لا يدخل فيها مهر بغى ، ولا بيع ربا ، ولا مظلمة أحد من الناس . انظر السيرة النبوية لابن هشام ( 1 / 194 ) .