تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5387

مساهمون:

ص٥٣٨٧
نقول : إنه في قول الحق سبحانه وتعالى :
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ
هنا هيىء لموسى من ذاته أن يرجع ، أي : أنه قرار اختياري من موسى ، أما قوله تعالى :
فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ ،
فموسى في هذه المرحلة ؛ كان طفلا رضيعا لا يستطيع أن يرجع بذاته ، ولا بد أن يهيىء له الحق طريقة لإرجاعه ، أي : من يحمله ويرجعه . أما قوله تعالى :
فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ
فقد كان من الممكن أن يقال : « وإذا رجع إلى طائفة منهم » مثلما قال في موسى عليه السّلام :
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى
ولكن الحق استخدم
رَجَعَكَ
ليدل على أن زمام محمد عليه الصلاة والسّلام في الفعل والترك ليس بيده . وكأنه سبحانه وتعالى يوضح : إياكم أن تنسبوا الأحداث إلى بشرية محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإن محمدا إذا ذهب إلى مكان فالله هو الذي أذهبه إليه . وإن عاد من مكان فهو لا يعود إلا إذا أرجعه اللّه منه . كما كانت هجرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة بإذن من اللّه ، فقبل أن يأذن اللّه له بالهجرة ، لم يكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ببشريته يستطيع أن يهاجر . إذن : فالحق سبحانه وتعالى يريد أن نعرف دائما : أن ذهاب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ورجوعه من أي مكان ، ليس ببشرية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، بل بإرادة الحق سبحانه . ولكن لماذا قال الحق سبحانه وتعالى :
فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ
وكان من الممكن أن يقول « فإن رجعك اللّه إليهم » أو : « فإن رجعك اللّه إلى المدينة » ؟ نقول : إن الحق سبحانه وتعالى يريد الحديث هنا عن الطائفة التي حدثت منها المخالفة ، فهناك من بقوا في المدينة رغما عنهم ولم يكن لديهم ما ينفقونه أو لم يكن لدى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما يحملهم عليه . وكذلك المرضى وكبار السن الذين لا يستطيعون قتالا . وهؤلاء حسن إسلامهم وقبل اللّه ورسوله أعذارهم .
تفسير الشعراوى — صفحة 5387 | محمد متولي الشعراوي