تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5379

مساهمون:

ص٥٣٧٩
إذا كان كذلك ، فهل سيطيع المنافقون أمرا اختياريا للّه ؟ ونقول : إن ذلك أمر غير اختياري ؛ لأن الحق سبحانه هو وحده الذي يضع في النفس البشرية انفعال الضحك أو انفعال البكاء للأحداث . وكما بيّنا فإن الإنسان لا يستطيع الانفعال بالضحك أو البكاء . والحق حين يقول :
فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا
معناها : أن انفعال الضحك قضاء عليهم لا بد أن يحدث . وإذا قال الحق سبحانه وتعالى :
وَلْيَبْكُوا كَثِيراً
فلا بد أن يبكوا ؛ لأن انفعال البكاء مكتوب عليهم من اللّه ، وكما يقولون : إن الذي يضحك أخيرا يضحك كثيرا ، وكذلك الذي يبكى أخيرا يبكى كثيرا . إذن : فالأمور كلها مرهونة بالخاتمة . فقد يأتي للإنسان حادث يسرّه ، ثم تأتيه ساعة بؤس تمحو هذا السرور كله ، والعكس صحيح . وإذا كان هؤلاء المنافقون قد ضحكوا قليلا في الدنيا . فعمر كل منهم في الدنيا قليل ؛ لأنه حتى وإن عاش في الدنيا ضاحكا طوال عمره فكم سيضحك ؟ أربعين سنة ؟ خمسين سنة ؟ إن كلّا منا له في الدنيا مدة محدودة ، فأنت إذا نسبت الحدث إلى الدنيا على إطلاقها فهو قليل . وإذا نسبته إلى عمرك في الدنيا فهو أقل القليل ، ثم تأتى الآخرة بالخلود الطويل الذي لا ينتهى ، ويكون بكاء المنافق فيه طويلا طويلا . ولذلك فلا بد لكل إنسان أن يضع مع المعصية عقوبتها ، ومع الطاعة ثوابها ؛ لأن الإنسان قد يرتكب المعصية لإرضاء شهوات نفسه ، وساعة ارتكاب المعصية فهو لا يستحضر العقوبة عليها ، ولو أنه استحضر العقوبة لا متنع عن المعصية . فالسارق لو استحضر ساعة قيامة بالسرقة ، أنه قد