فكأن الحق سبحانه وتعالى قد أقر على أن الأعز هو الذي سيخرج الأذل من المدينة ، ولكن العزة للّه ولرسوله وللمؤمنين ، إذن : فسيخرج المنافقون من المدينة ، وسيبقى فيها المؤمنون ، وتكون لهم العزة .
ولما علم عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبىّ أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سيأمر بقتل والده عبد اللّه بن أبىّ ، ذهب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقال : يا رسول اللّه إن كنت ولا بد آمرا بقتل أبى فأمرني أنا بقتله ؛ لأنى أخاف أن يقتله أخ مؤمن فأكرهه ، وأنا لا أحب أن أكره مؤمنا . « 1 »
وهكذا نرى قوة وصدق الإيمان ، وأراد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يكرم ذلك المنافق من أجل ابنه فلم يأمر بقتله ، ومن بعد ذلك « 2 » قال الابن : يا رسول اللّه استغفر لأبى ، أي : اطلب له من اللّه المغفرة ؛ ولأنه صلّى اللّه عليه وسلّم يعلم أنه قد أرسل رحمة للعالمين ؛ لذلك طلب المغفرة لعبد اللّه بن أبىّ . وحينئذ نزلت الآية الكريمة :
[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 80 ]
اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ( 80 )
هامش
( 1 ) أورد ابن إسحاق أن عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبي لما بلغه ما كان من أمر أبيه أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : يا رسول اللّه إنه بلغني أنك تريد قتل عبد اللّه بن أبي فيما بلغك عنه ، فإن كنت فاعلا فمرنى به فأنا أحمل إليك رأسه ، فو اللّه لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبرّ بوالده منى ، إني أخشى أن تأمر به غيرى فيقتله فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد اللّه بن أبي يمشى في الناس فأقتله مؤمنا بكافر فأدخل النار ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا » . انظر تفسير ابن كثير ( 4 / 372 ) .
( 2 ) وذلك عندما توفى عبد اللّه بن أبىّ ، وأراد ابنه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يصلى عليه ، فاعترض عمر ابن الخطاب ، فأعطاه قميصه ليكفنه فيه وصلى عليه . انظر الحديث الآتي بعد في البخاري ( 4670 ) ومسلم ( 2400 ) من حديث ابن عمر .