ولذلك قال الشاعر :
وضعيفة فإذا أصابت فرصة * قتلت كذلك فرصة الضّعفاء
أما القوى فإنه يقدر ويعفو ؛ لأنه يعرف أنه يستطيع الإتيان بخصمه وقتما يشاء .
والأصل في المكر هو الشجرة الملتفة الأغصان كأنها مجدولة ؛ بحيث لا تستطيع أن تميز الورقة التي تراها من أي فرع نبتت ، فيلتبس عليك الأمر ، كذلك المكر تختلط عليك الأمور بحيث لا تعرف أين الحقيقة .
وأنت تمكر بقدر تفكيرك وعقلك ، ولكن الحق سبحانه وتعالى حين يجازيك بمكرك يكون الجزاء رهيبا ؛ لأن مكرك مفضوح عند اللّه ، ولكنك لا تعرف شيئا مما أعدّه اللّه لك .
ولقد نصر الحق سبحانه وتعالى رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم في الأمور العلنية في المعارك ، ونصره أيضا في كل أمر مكروا فيه وبيّتوه له . وعلى سبيل المثال ، حين وقف الكفار على باب بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليقتلوه في ليلة الهجرة . أوحى له ربه أن : اخرج ولا تخش مكرهم ، فخرج صلّى اللّه عليه وسلّم ليجدهم نياما وهم واقفون ، أعينهم مفتوحة ولكن لا تبصر . ويخرج صلّى اللّه عليه وسلّم من وسطهم . ويأخذ التراب ، ويلقيه عليهم وهو يقول : « شاهت الوجوه » « 1 » .
وعندما يبتعد صلّى اللّه عليه وسلّم عن المكان يستيقظون مرة أخرى ، ويتعجبون كيف أفلت منهم . وقد أراد الحق سبحانه أن يعلموا أنهم لن يستطيعوا النّيل من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، لا بالمعارك المفتوحة ولا بالمكر الخفي .
وقوله تبارك وتعالى :
فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ
تعرف منه أن سخرية اللّه جاءت جزاء لهم على سخريتهم ، والساخر من البشر لا يتجاوز
هامش
( 1 ) ورد قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هذا في حديث الهجرة عن ابن عباس عند أحمد في مسنده ( 1 / 368 ) ، وكذلك في غزوة حنين في صحيح مسلم ( 1777 ) من حديث إياس بن سلمة عن أبيه ، وأحمد في مسنده ( 1 / 286 ) والدارمي في سننه ( 2 / 219 ) من حديث أبي عبد الرحمن الفهري .