تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5359

مساهمون:

ص٥٣٥٩
فلما بلغ المنافقين ما تصدق به عبد الرحمن بن عوف قالوا : ما تصدق عبد الرحمن إلا رياء وسمعة . وهل الرياء يطلع عليه الناس أم يعرفه اللّه وحده ؟ وجاء عاصم بن عدي ، وكان صاحب بستان أعطى ثمرا كثيرا ، فجاء بمائة حمل من التمر وتصدق بها ، فقال المنافقون : واللّه ما فعل عاصم هذا إلا رياء . وجاء رجل يدعى أبا عقيل الأنصاري إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال : يا رسول اللّه ، لقد بتّ ليلتي أعمل ، وأخذت أجرى صاعين من التمر ، احتفظت لأهلى بصاع وجئتك بصاع لأتصدق به . قال المنافقون : تصدق بصاع من التمر ، اللّه ورسوله غنى عن صاعك يا أبا عقيل . هم إذن قد عابوا على عبد الرحمن بن عوف الذي تصدق بالكثير وقالوا هذا رياء ، وعندما جاء عاصم بن عدىّ قالوا : يرائى بالتصدق بنصف ثمار حديقته ، وعندما جاء من لا يملك إلا صاع تمر يتصدق به قالوا : اللّه ورسوله غنى عن تمرك ، لقد سخروا ممن أعطى الكثير ، وسخروا ممن أعطى القليل . وكان يجب أن يمدح المتصدقون ولا يسخر منهم ؛ لأن كلا منهم تصدق على قدر طاقته ، وهم أعطوا منه فضل ما أعطاهم اللّه ؛ قلّ أو كثر « 1 » . ولذلك فمن يسخر من هؤلاء المؤمنين ؛ لا بد أن يلام على الخلق السئ الذي تمثل في مقابلة السلوك الإيمانى بالسخرية والاستهزاء ، ولذلك كان جزاء الساخرين أن سخر اللّه منهم ، وجعل لهم عذابا أليما . والسخرية هي الاستهزاء بفعل شخص ما . وهؤلاء المنافقون حين يسخرون من المؤمنين ، فسخريتهم لم تتجاوز عدم رضاهم عمّن فعل الخير ، وهم بسخريتهم لم يستطيعوا إلا الإيذاء المعنوي للمؤمنين المتصدقين ، ولكن حين يسخر اللّه ؛
هامش
( 1 ) عن أبي ذر قال لي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تحقرن من المعروف شيئا ، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق » . أخرجه مسلم في صحيحه ( 2626 ) وأحمد في مسنده ( 5 / 173 ) .