فهذه أولا عدالة الجزاء لأنها من جنس ما فعلوا ، ولكن هل سخرية الحق سبحانه وتعالى تقتصر على عدم الرضا أم أن هناك جزاء ؟
هناك جزاء من اللّه . وإذا كان الجزاء يتفاوت بتفاوت قدرة الساخر .
فهناك فارق شاسع بين قدرات اللّه وقدرات البشر . والذين سخروا من المؤمنين حين تصدقوا بالقليل الذي يملكونه ؛ تصدى اللّه سبحانه وتعالى ليرد عليهم وعلى سخريتهم . ويريد الحق بذلك أن يعطينا صورة عن كيفية دفاعه عن المؤمنين المخلصين في إيمانهم . فإذا أضفنا إلى ذلك أن الحق تبارك وتعالى ، هو الذي سيعاقب المنافقين ، فالعقاب سيكون أليما مهينا .
وقلنا من قبل : إن الذي يخطئ في حق غيره ، فهذا الغير يرد الخطأ بعقاب على حسب قدرته . ولكن إن عفا عنه ، نقول لمن أخطأ : لا تعتبر هذا العفو لصالحك ، بل هو عكس ذلك تماما ؛ لأن الذي يعفو إنما ترك الحكم للّه ، وسوف يكون عقابك لا قدر قوة وطاقة من عفا عنك ، ولكنه ترك عقابك للّه ، وسيكون عقابك على قدر قدرات اللّه .
إذن : فالذي ينتقم ويرد على من أخطأ في حقه ، إنما يأخذ على قدر قوّته ، وأما الذي يعفو فهو يأخذ على قدر قدرات اللّه ، وهناك مرتبة أعلى من ذلك جعلها اللّه سبحانه وتعالى للمذنب ، والذي وقع الاعتداء عليه ؛ لأن الحق سبحانه وتعالى رب الاثنين : فإن أساء إليك إنسان قد ترد عليه الإساءة بطاقتك ، وقد تعفو فيرد اللّه عليه بقدرته وطاقته .
ولكن خير من ذلك أن تحس أن الذي أساء إليك في حقيقة الأمر قد أحسن إليك ، مع أنه لم يقصد ذلك ، كيف ؟ إذا دخلت بيتك ووجدت أحد أبنائك قد ضرب أخاه وأساء إليه ، مع من يكون قلبك وعطفك ؟
إن قلبك يكون مع الذي اعتدى عليه وأسىء إليه فتحاول أن ترضيه ، وتأتى إليه بهدية أو تعطيه مبلغا من المال ، أو غير ذلك من أنواع الإرضاء ، وقيل : من آداب دينك - الإسلام - أن تحسن إلى من أساء إليك ؛ لأنه
تفسير الشعراوى — صفحة 5360
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٥٣٦٠