يقدم معروفا دون أن يقصد . ولذلك فالحق سبحانه وتعالى يطلب منك أن تعفو عمن أساء إليك . ويقول الحق سبحانه وتعالى :
فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ
وإذا سمعت فعلا من البشر يقابله فعل من اللّه ، إياك أن تفهم الفعل من اللّه كما فهمت فعل البشر ، فحين يقول سبحانه :
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ . . .
( 54 ) [ آل عمران ]
وحين يقول :
يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ . . .
( 142 ) [ النساء ]
هنا نجد فعلا من صنع اللّه ، وقد نرى من البشر من يفعل نفس الفعل ، لكن نحن المسلمين نأخذ الفعل من اللّه على غير الفعل من البشر .
وعلى سبيل المثال : إذا جئنا لقول اللّه :
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ
المكر هو التغلب بالحيلة على الخصم ؛ بأن توهمه أنك تفعل له خيرا ، بينما أنت تضمر له الشر ، كأن تحفر حفرة كبيرة مثلا وتغطيها ببعض الحشائش والزهور ، ثم تطلب من خصمك أن يأتي لك بزهرة ، فيسقط في الحفرة وتتكسر عظامه .
إذن : فأنت قد كدت له كيدا خفيّا . والكيد والمكر لا يدلان على القوة ؛ إنما يدلان على الضعف ؛ لأن الشجاع القوى هو الذي يجاهر بعدائه ؛ لأنه قادر على عدوه ، لكن الضعيف هو الذي يستخدم الحيلة والمكر ليوقع بخصمه . ولذلك نجد الحق سبحانه وتعالى يقول في النساء :
إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ
( 28 ) [ يوسف ]
وما دام كيدهن عظيما ، فضعفهن عظيم ؛ لأن الضعيف هو من يكيد ، ولكن القوى لا يعجزه طلب خصمه ويقول له : اذهب حيثما شئت ، وسآتى بك عندما أريد ، لا يوجد مكان تهرب فيه منى ، إنما الضعيف إذا تملك من خصمه فإنه يقضى عليه تماما ؛ لأنه يعرف أنها فرصة لن تتكرر .