إذن : ففتح باب التوبة رحمة للمجتمع ؛ لأنها لا تدفع المجرم إلى الاستشراء في إجرامه . وإذا نظرت إلى الآية الكريمة ، فالله سبحانه وتعالى بعد أن أظهر الحق ، وبيّن للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وللمؤمنين أشياء كان المنافقون يخفونها ؛ فتح للمنافقين باب التوبة ، وحينئذ قال الجلاس بن سويد زعيم المنافقين : يا رسول اللّه . لقد عرض اللّه عليّ التوبة . واللّه قد قلت ما قاله عامر ، وإن عامرا لصادق فيما قاله عنى . وتاب الجلاس وحسن إسلامه « 1 » .
أما الذين تعرض عليهم التوبة ولا يتوبون إلى اللّه ، فقد قال سبحانه :
وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ .
إذن : فجزاء من يرفض التوبة ولا يعترف بخطئه هو العذاب الأليم ، لا في الآخرة فقط ، ولكن في الدنيا والآخرة . وعذاب الدنيا إما بالقتل وإما بالفضيحة ، وعذاب الآخرة في الدرك الأسفل من النار .
ولكن قول الحق سبحانه وتعالى :
وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ
قد يفهمه بعض الناس فهما خاطئا ، بأن العذاب في الدنيا فقط ، ولكن هناك أرض في الدنيا ؛ وأرض في الآخرة هي أرض المعاد « 2 » ؛ مصداقا لقوله تعالى :
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ . . .
( 48 ) [ إبراهيم ]
إذن : فكلمة
الْأَرْضُ
تعطينا صورتين في الدنيا وفي الآخرة .
وقوله تعالى :
وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ
يوضح لنا أن الولىّ هو القريب منك الذي تفزع إليه عند الشدائد ، ولا تفزع عند الشدائد
هامش
( 1 ) انظر : الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني ( ترجمة 1172 ) .
( 2 ) قال أبو يحيى الأنصاري في فتح الرحمن ( ص 170 ) : « لما كانوا لا يعتقدون الوحدانية ، ولا يصدقون بالآخرة ، كان اعتقادهم وجود الولي والنصير مقصورا على الدنيا ، فعبر عنها في الأرض أو : أراد بالأرض أرض الدنيا والآخرة » .