أراد أن يعلم المنافقين أن سبحانه يخبر نبيه بما يخفيه المنافقون عنه ، ولو نزلت الآية فقط في حادثة الحلف الكذب ، لقال المنافقون : ما عرف محمد - عليه الصلاة والسّلام - إلا ما قاله عامر ، ولكن هناك أشياء لم يسمعها عامر ؛ وهم قالوها ، ذلك أن المنافقين كانوا قد تآمروا على حياة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم واتفقوا على قتله عند عبوره العقبة ، والعقبة هذه هي مجموعة من الصخور العالية التي تعترض الطريق ، فيتحايلون على اجتياز هذه العقبة بأن يعبروها أحيانا من أنفاق منخفضة ، وأحيانا يعبرونها بأن يصعدوا فوقها ثم ينزلوا .
ودبر المنافقون « 1 » أن يدفعوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من أعلى الصخور ، فيسقط في الوادي ، ولكن حذيفة بن اليمان الذي كان يسير خلف ناقة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تنبه للمؤامرة ، فهرب المنافقون ، وهكذا لم ينالوا ما يريدون ، مثلما لم ينالوا ما أرادوه عندما أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مهاجرا إلى المدينة ، فقد كانوا يعدون العدّة ليجعلوا عبد اللّه بن أبىّ ملكا عليهم ، ولكن مجىء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يمكنهم من ذلك .
وقيل : إنهم تآمروا على قتل عامر بن قيس ؛ لأنه أبلغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما قاله الجلاس بن سويد ، ولكنهم لم يتمكنوا .
هامش
( 1 ) كانوا اثنى عشر رجلا ماتوا محاربين للّه ورسوله . عن حذيفة بن اليمان قال : كنت آخذا بخطام ناقة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أقود به ، وعمار يسوقه . حتى إذا كنا بالعقبة فإذا أنا باثني عشر راكبا ، قد اعترضوه فيها ، فأنبهت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بهم ، فصرخ بهم فولوا مدبرين ، فقال لنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم :
هل عرفتم القوم ؟ قلنا : لا يا رسول اللّه ، كانوا متلثمين ، ولكنا قد عرفنا الركاب . قال : هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة ، وهل تدرون ما أرادوا ؟ قلنا : لا . قال : أرادوا أن يزحموا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في العقبة ، فيلقوه منها . قلنا : يا رسول اللّه أو لا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم ؟ قال : لا ، أكره أن تحدث العرب بينها أن محمدا قاتل بقوم ، حتى إذا أظهره اللّه بهم أقبل عليهم يقتلهم ، ثم قال : اللهم ارمهم بالدبيلة . قلنا : يا رسول اللّه وما الدبيلة ؟ قال : شهاب من نار يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك » . أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ( 5 / 260 ، 261 ) وفيه عنعنة ابن إسحاق .