تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5343

مساهمون:

ص٥٣٤٣
وقول الحق سبحانه وتعالى :
وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ
و
نَقَمُوا
تعنى : كرهوا ، والغنى - كما نعلم - أمر لا يكره ، ولكن وروده هنا دليل على فساد طبعهم وعدم الإنصاف في حكمهم ؛ لأن الغنى والأمن الذي أصابهم ليس عيبا ولا يولد كراهية . بل كان من الطبيعي أن يولد حبا وتفانيا في الإيمان . والحق سبحانه وتعالى يوضح لهم : ماذا تعيبون على محمد ؟ وماذا تكرهون فيه ؟ هل تكرهونه وقد جاءكم بالعزة والغنى ؟ وقبل أن يأتي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، كان الذين كرهوا مجىء الرسول إلى المدينة فقراء لا يملكون شيئا ، ولكنهم لما نافقوا ودخلوا في الإسلام ، أخذوا من الغنائم ، وأغناهم اللّه « 1 » ؛ بل إن الجلاس بن سويد لما قتل له غلام دفع له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم اثنى عشر ألف درهم ديّة . إذن : فقد جاء على يد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم الغنى للجميع ، فهل هذا أمر تكرهونه ؟ طبعا لا . ولكنه دليل على فساد طباعكم وعدم إنصافكم في الحكم ، وما دام اللّه سبحانه وتعالى قد أغناكم بمجىء رسوله ؛ ما كان يصح أن يعاب ذلك على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، بل كان يجب أن يمدح به ، وأن تتفانوا في الإيمان به ونصرته . وقول الحق سبحانه وتعالى :
مِنْ فَضْلِهِ
يلفتنا إلى أسلوب القرآن الكريم . ولقد قال الحق سبحانه وتعالى :
اللَّهُ وَرَسُولُهُ
وكان قياس كلام البشر أن يقال « اللّه ورسوله من فضلهما » ، ولكنه قال :
مِنْ فَضْلِهِ
لأن اللّه لا يثنّى مع أحد ، ولو كان محمد بن عبد اللّه . ولذلك عندما سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خطيبا يخطب ويقول : من أطاع اللّه ورسوله فقد نجا ، ومن عصاهما فقد هلك ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : بئس خطيب القوم أنت ؛ لأن الخطيب جمع جمع تثنية بين اللّه ورسوله .
هامش
( 1 ) قال الكلبي : « كانوا قبل قدوم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في ضنك من العيش ، لا يركبون الخيل ولا يحوزون الغنيمة ، فلما قدم عليهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم استغنوا بالغنائم » ذكره القرطبي في تفسيره ( 4 / 3132 ) .
تفسير الشعراوى — صفحة 5343 | محمد متولي الشعراوي