إذن : فما دام سبحانه وتعالى قد وضع منهجا فلا بد أن نتبعه ؛ لأنه هو موجد هذا الكون وموجدنا ، ويعلم ما يصلحنا وما يفسدنا .
فإن فشل جهاد الحجة ، يقول الحق سبحانه وتعالى :
وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ
وبماذا يغلظ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عليهم ؟ إنه يغلظ لإيضاح المصير الذي ينتظرهم ، وكل كافر هو عابد للدنيا ويخاف أن تضيع منه الدنيا لأنه لا يؤمن بالآخرة ، فأنذره بالآخرة ، وأنذره بالعذاب الذي ينتظره ، وقل له : أنت لست خالدا في الدنيا ، وما ينتظرك في الآخرة هول كبير .
ولكن المؤمن يعرف أن الدنيا وراءها آخرة وجنة ؛ ولذلك وجدنا المؤمن الذي يقول لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الحرب : ادع لي يا رسول اللّه لأستشهد .
ويقول آخر : أليس بيني وبين دخول الجنة إلا أن أقاتل هؤلاء فيقتلوني ؟
فيقول له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : نعم ، فيلقى الرجل بتمرة كان يأكلها وينطلق إلى المعركة ويستشهد .
هذا هو معنى الإيمان ، ولو لم يكن المؤمن واثقا تمام الثقة أنه سيذهب إلى نعيم ليس بعده نعيم ، لما انطلق إلى المعركة طالبا الشهادة .
إذن : وهم يقدمون على الشهادة بهذه الشجاعة تمتلئ أعماقهم بالإيمان وبأحكام اللّه فيه ، وتدفعهم القناعة التامة - بأن هناك جنة في الآخرة - إلى الاستشهاد ، وفي المقابل نعرف أن الذي ينتظر الكفار هو النار . وهكذا نفهم قوله الحق :
وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ
أي : أنذرهم بالعذاب الرهيب الذي ينتظرهم علّهم يفيقون . والشاعر يقول :
أناة فإن لم تغن عقّب وعيدا * فإن لم يغن أغنت عزائمه
وما هو إلّا السيف أو حدّ طرفه * يقيم زباه أخدع كلّ مائل
فهذا دواء الدّاء من كلّ جاهل * وذاك دواء الداء من كلّ عاقل « 1 »
هامش
( 1 ) عزائم الوعيد : إنفاذه فيمن يستحقونه . زباه : طرف السيف . أخدع : الأخدع عرق في العنق فكأن عنقه مائل عن اتباع الحق .