ولكن الحوار حول العقوبات « 1 » في الإسلام لا يتوقف ، ونقول لهؤلاء :
هل هناك مجتمع ليس فيه تجريم أو عقوبات ؟ وانظر إلى المجتمعات غير الدينية ، ألا توجد بها جرائم وعقوبات ؟ إن كل مجتمع إنما يحمى نفسه بتوصيف الأفعال التي تعتبر جرائم ، ويضع لها عقوبات ، ولا عقوبة إلا بتجريم ، ولا تجريم إلا بنص .
إذن : فكل دولة وكل مجتمع لا بد أن تكون فيه عقوبات ، وإلا أصبحت الحياة فوضى يستحيل معها العيش في أمان . فإذا كان حاكم أي دولة بسيطة قد وضع تجريما وعقوبات ، وهو يحكم فيما لا يملك ، أفليس للّه أن يضع التوصيف لما يرى أنه جرائم ، وأن يشرّع العقوبة الملائمة لكل جريمة ، وهو سبحانه يحكم فيما يملك ؟ وإذا كان سبحانه قد حكم بقطع يد هو خالقها ؛ فهو أراد ذلك ليمنع ملايين الأيدي من أن تمتد إلى مال الغير .
ولذلك يجب ألا تطول الفترة بين تنفيذ العقوبة ووقت وقوع الجريمة ؛ لأن الذي يتعب الناس في الدنيا ، هو طول الإجراءات والأخذ والرد ، فينسى الناس الجريمة ، وتأخذهم الشفقة والرحمة بالمجرم ، مع أنه لو وقّعت العقوبة فور حدوث الجريمة ؛ لما طلب أحد الرأفة بالمجرم .
والحق تبارك وتعالى يقول :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ
وقد عرفنا كيف يكون الجهاد مع الكافرين ، فماذا يكون الجهاد مع المنافقين وهم الذين يتظاهرون بالإيمان ؟
هامش
( 1 ) قرر الكتاب والسنة عقوبات محددة لجرائم معينة هي جرائم الحدود ، وهي : الزنا ، والقذف ، والسرقة ، والسّكر ، والمحاربة ، والردة ، والبغى . وذلك لتحقيق صيانة المجتمع من نواحي :
الدين ، العقل ، المال ، العرض ، النفس . ولكل جريمة من هذه الجرائم شروط يجب توافرها ليتم تنفيذ العقوبة الخاصة بها . انظر تفصيل هذا في كتب الفقه ( أبواب الحدود ) .