تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5331

مساهمون:

ص٥٣٣١
لأننا لا نعرفه فنتقى شره مثل الكافر ، فقد يطعنّا المنافق من الخلف ونحن آمنون له مطمئنون إليه ، فتكون طعنته مؤثرة وأليمة . ويوضح الحق لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم : إن العداوة التي سيواجهها وهو يبشّر بمنهج اللّه ستأتيه من اثنين ؛ من كافر أو منافق ، أي من مجاهر بعدم الإيمان ، أو ممن كفر بقلبه وتظاهر بالإيمان بلسانه . أما المنافق فإنه عدو صعب ؛ لأنه يغشنا فلا نأمنه ، رغم أن النفاق في حد ذاته بالنسبة لمنهج اللّه هو دليل قوة هذا المنهج ؛ لأنه لا ينافق إلا القوى ، أما الضعيف فلا ينافقه أحد . ولذلك لم يكن هناك منافقون أثناء وجوده صلّى اللّه عليه وسلّم في مكة قبل الهجرة ؛ لأن المسلمين كانوا قلة ضعافا ، وكانوا معذّبين مضطهدين . ولم يكن هناك ما يغرى أحدا بنفاقهم ؛ لأنه لا توجد استفادة من هذا النفاق ، بل سيتعرض من يتعاطف معهم للتعذيب والاضطهاد . والمنافق في إظهاره غير ما يبطن إنما يحقق لنفسه مصلحة ذاتية . واختلف الحال بعد أن هاجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة ، وظهر المنافقون بعد أن أصبح للإسلام دولة وقوة . والمنافق في هذه الحالة إنما يعلن إيمانه زيفا ، ليستفيد من قوة المسلمين لصالحه . إذن : فالنفاق ظاهرة مرضية في المنافق ، ولكنها دليل قوة للمؤمن الذي ينافقه . ونلحظ أنه سبحانه وتعالى قد قدّم في هذه الآية ذكر الكفار على المنافقين . وقدّم في آيات أخرى المنافقين على الكفار « 1 » . والصدام - كما نعلم - قد حدث أولا مع الكفار ، ففي أول الدعوة لم يوجد هذا الصنف المنافق ، بل كان هناك مؤمنون وكفار ، وجهاد الكفار جاء على مراحل ،
هامش
( 1 ) وذلك من نحو قوله تعالىإِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً[ النساء : 140 ] ، وكذلك قولهوَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ[ التوبة : 68 ] .