ولكنك في جنات الآخرة تستمتع بقدر ما فيها من كمال وجمال ، ويزيدك اللّه فيها بأن يعطيك الخلود ، فلا تفارق النعمة ولا تفارقك ؛ لأنه ليس هناك أغيار ، وليس هناك موت .
وكل إنسان في الدنيا يتمتع على قدر قدراته ، وتصورات الخلق لأنواع النعيم تختلف باختلاف بيئاتها ومقاماتها ، فقد تكون من الفلاحين ؛ وكل متعتك أن تجلس على مصطبة أمام بيتك ، وقد يكون عند إنسان آخر بيت فيه صالون كبير ، والثالث له بيت فيه عدة صالونات ، فكل واحد على قدر إمكاناته في الدنيا ، ولكننا في الآخرة نتمتع كلنا على قدر قدرات الحق سبحانه وتعالى ، ويكون متاعنا بقدرة لا تفوقها قدرة ، ويكون الجزاء بقدر ما فعلت من خير في الدنيا ، واتبعت منهج اللّه .
إذن : فأنت الذي تحدد المساحة التي لك في الجنة ، وتحدد المسكن وأنواع النعيم بقدر عملك .
ثم ما الذي يهددك في نعيم الدنيا ؟
الذي يهدد الناس في الدنيا أحد شيئين : إما أن تزول عنهم النعمة فيفتقروا ، وإما أن يزولوا هم عن النعمة بالموت . ولكن نعمة الآخرة ليس فيها هذا التهديد . إنها النعمة الخالدة وأهل الجنة فيها خالدون . ولذلك يقال : يا أهل الجنة ، خلود بلا موت ونعيم بلا بؤس « 1 » .
ولقد زاد الحق تبارك وتعالى في وصف الخلود فقال :
خالِدِينَ فِيها أَبَداً
والخلود بقاء طويل جدا ، والأبدية لا تنتهى . وسبحانه حين تكلم
هامش
( 1 ) عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « ينادى مناد : إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا ، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا . وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا . وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا » فذلك قوله عز وجل :وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ[ الأعراف : 43 ] أخرجه مسلم في صحيحه ( 2837 ) وأحمد في مسنده ( 2 / 319 ) ( 3 / 38 ، 95 ) والترمذي في سننه ( 3246 ) .