اللمس بنعومتها ؛ وتملأ الأنوف برائحتها الزكية . ومن ميزات جمالها أن الأنهار تجرى من خلالها ، ولكنها لا تجرى من فوقها بل تجرى من تحتها ، ومنابعها من مكان آخر ، أو تحتها ، ومنابعها ذاتية ، أي ينبع من نفس المكان « 1 » . وكأن كل نهر ينبع من تحت جنة خاصة به . وإذا أردت أن تعرف جمال هذه الأنهار ؛ فهو جمال قد صنعه الحق سبحانه وتعالى .
وإذا كنا في حياتنا نرى أن لكل نهر شاطئين ، فإن أنهار الجنة تجرى من غير شواطئ ؛ وإنما يمسكها الذي أمسك السماء أن تقع على الأرض « 2 » ، ثم تجد الأنهار قد تشترك في المجرى ؛ نهر اللبن ، ونهر العسل ، ونهر الماء ، ونهر الخمر « 3 » ، وكلها تجرى في مجرى واحد ولكنها لا تختلط ببعضها البعض ، فكل منها منفصل ؛ لأن الحق سبحانه وتعالى هو الصانع وتبارك من صنع .
ويعطينا سبحانه وتعالى بعد كل ذلك ، ميزة الخلود في هذه الجنات فيقول :
خالِدِينَ فِيها
ونحن نعلم أن المتعة في الدنيا قد توجد للإنسان ، ولكنها لا توجد خالدة أبدا ؛ فقد تزول عنك النعمة وتذهب المتعة ؛ كأن تصاب بكارثة مالية مثلا أو تخسر خسارة كبيرة في تجارتك أو غير ذلك ، وقد تزول أنت عن النعمة بالموت .
هامش
( 1 ) ورد في القرآن قوله تعالى :تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ *35 مرة ، وورد قوله تعالى :تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُمرة واحدة في [ التوبة : 100 ] .
( 2 ) وذلك مصداقا لقوله تعالى :وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ[ الحج : 65 ] .
( 3 ) فهي أنهار أربعة : نهر لبن في غاية البياض والحلاوة والدسومة ، ونهر عسل في غاية الصفاء وحسن اللون والطعم والريح ، ونهر ماء غير آسن أي غير متغير الرائحة ، ونهر خمر لا تغتال العقول . قال صاحب كتاب « حادي الأرواح » ( ص 171 ) : « تأمل اجتماع هذه الأنهار الأربعة التي هي أفضل أشربة الناس ، فهذا لشربهم وطهورهم ، وهذا لقوتهم وغذائهم ، وهذا للذتهم وسرورهم ، وهذا لشفائهم ومنفعتهم » .