فيخرج ليتسكع في الشوارع ، وحين تحدّثه نفسه بأي متعة فهو يحققها بصرف النظر عن منهج اللّه وقيم الحياة .
إن كلا الأخوين يحب نفسه ، لكن الأول أحب نفسه فأعطاها مشقة محتملة في سنوات الدراسة ؛ لتعطيه راحة ومركزا ومالا بقية حياته ، أما الأخ الثاني فقد أحب نفسه أيضا وأعطاها المتعة العاجلة ولكنه أضاع مستقبله كله ، فلم يعد يساوى شيئا في المجتمع .
إذن : فكل منا يحب نفسه ، ولكن مقاييس الحب هي التي تختلف . فمنا من يأخذ المقياس السليم ، فيتحمل مشقة قليلة ليأخذ نعيما أبديّا ، ومنا من يعطى نفسه متعة عابرة ليفقد نعيما مقيما .
والعجيب أنك تجد أن هذه هي سنة الحياة الدنيا ، فلا تجد إنسانا ارتاح في حياته إلا إذا كان قد أجهد نفسه في سنواته الأولى ؛ ليصل إلى الراحة بقية عمره ، ولا تجد إنسانا فاشلا عالة على المجتمع إلا إذا كان قد أخذ حظه من الحياة في أولها ليشقى بقية عمره .
لذلك يقال دائما : إنه لا يوجد من يأخذ حظه من الحياة مرتين أبدا ، فالذي يتعب في أول حياته يرتاح بقية عمره ، والذي يرتاح أول حياته يتعب بقية عمره . والمثل الشائع يقول : من جار على شبابه ، أي : ضيّعه فيما لا يفيد ؛ جارت عليه شيخوخته . والقائمون على الأمر عليهم أن ينبهوا المقبلين على الحياة بالوعد والوعيد حتى يستقيم أمر حياتهم ، وعليهم ألا يؤجّلوا الوعد إلى أن تنضج الثمرة . ولا الوعيد إلى أن يحدث الشر ويقع . وعلى كل ولى أمر ؛ في أي مكان ؛ أن يراقب حركة المقبلين على الحياة من أبنائه أو من يتولى أمرهم ، فيشجع ويعد المجتهد ، ولا ينتظر
تفسير الشعراوى — صفحة 5307
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٥٣٠٧