وهنا يقول الحق سبحانه :
فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ
أي : أنهم أخذوا نصيبهم من الدنيا ، ولكن الآخرة ليس لهم فيها نصيب ؛ لأن النصيب في الآخرة يأتي ب « افعل » و « لا تفعل » في التكليف ، فإذا فعلت الاثنين ترتقى ، بدليل أن حضارة المسلمين استمرت ألف سنة حين أخذوا بالأسباب ، ولم ينسوا المسبب . . بل حرسوا الأسباب بقيم المسبب في « افعل » و « لا تفعل » ؛ فملكوا الدنيا ألف سنة . ولا توجد حضارة مكثت مثل هذه المدة ، ولئن زالت الحضارة من أمم الإسلام سياسيّا ، فقد بقي دينهم في نفوسهم ، ولا توجد حضارة عاشت مبادئها بعد زوال الحضارة إلا الإسلام . فقد بقي منارة هادية ، رغم ضعف المسلمين سياسيّا .
وقول الحق سبحانه :
فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ
أي : خذوا نصيبكم من الدنيا بالأسباب ، ولكن تذكروا أنه استمتاع موقوت بزمن لا يملكه الإنسان ؛ لأن عمر الفرد في الدنيا هو بعمر حياته فيها لا بعمر الدنيا نفسها ؛ لأن الدنيا لك ولمن يأتي من بعدك . وعمرك فيها له حدود لا تعرف طوله . هل هو شهر أم سنة أم عشر سنين أم مائة عام ؟ إذن : عمرك في الدنيا مظنون موقوت ، فعملك لأسباب الدنيا محدود المدة ، بمقدار عمرك في الدنيا .
وهب أن عمرك طال وصرت من المعمرين فسوف ينتهى حتما .
ويقول الحق سبحانه :
كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ
أي : أنتم تبعتموهم ومشيتم على أثرهم ، وكلما فعلوا إثما فعلتم إثما ، وهم خاضوا في الأنبياء ، وأنتم خضتم أيضا في الأنبياء ، فأنتم شركاء الذين ذهبوا من