الحق سبحانه وتعالى يريدهم أن يعرفوا أنه عليم بما في نفوسهم ، ويخوفهم من أن تنزل آيات تكشفهم ، فهم يخشون أن يخرج ما في بطونهم من كفر يخفونه ، وهو غيب عن المؤمنين . والغيب - كما نعلم - محجوب بزمان ومكان ، وغيب الزمان محجوب بالماضي أو بالمستقبل ، فإن كان هناك حدث قد مضى ولم تشهده ، فهو غيب عنك ما لم تعلمه من كتب التاريخ ، وكذلك إن كان هناك حدث سوف يأتي في المستقبل ، فهو لم يقع بعد ، فهو إذن محجوب بالمستقبل ، أما حجاب المكان فهو حجاب الحاضر ، وعلى سبيل المثال : إن كنا الآن في القاهرة فنحن لا نعلم ما يحدث في الإسكندرية . واللّه سبحانه وتعالى هتك كل هذه الحجب في القرآن الكريم ، فهتك الحق سبحانه حجاب الماضي في أمثلة كثيرة أخبر بها رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، مثل قوله سبحانه :
وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ
( 44 ) [ القصص ]
وأيضا يقول سبحانه :
وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ
( 45 )
[ القصص ]
فكأن الحق سبحانه وتعالى قد كشف لرسوله من حجب الزمن الماضي ، ما لم يكن يعلمه أحد ، وذلك مصداقا لقوله تعالى :
تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ
( 49 ) [ هود ]