ثم يقول سبحانه وتعالى :
وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ .
وإيذاء المنافقين لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يكن بالمواجهة ؛ لأنهم أعلنوا كلمة الإيمان ، وكان الإيذاء لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من المنافقين في قلوبهم وفيما بينهم في مجالسهم ، ولذلك لم يكن الإيذاء منهم مباشرة قط ، ولكن الآيات بينت أنواع الإيذاء بأنهم يلمزون في الصدقات ، ويقولون : إنه أذن ، ويحلفون له كذبا ليضللوه ، إلى آخر ما كانوا يفعلون .
ثم يأتي الحق بصورة أخرى من صور المنافقين فيقول سبحانه :
[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 62 ]
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ ( 62 )
ومن العجيب أن سورة التوبة فيها أكبر عدد من لفظ « يحلفون » ، ولم ترد مادة « يحلف » في سورة المائدة إلا مرة واحدة ، وفي سورة النساء مرة ، وفي سورة المجادلة ثلاث مرات ، أما في سورة التوبة فقد جاءت سبع مرات ، وفي سورة القلم جاءت « حلاف » ، حتى إن سورة التوبة سميت « سورة يحلف » « 1 » ؛ لأن فيها أكبر عدد من
يَحْلِفُونَ
في القرآن الكريم .
ويقول الحق سبحانه :
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ
وفي هذا إصرار من المنافقين على الحلف كذبا ، وهو ما يوضح غباءهم وعدم فطنتهم .
هامش
( 1 ) هذه السورة لها أسماء كثيرة فهي : براءة ، والتوبة ، والفاضحة ، والحافرة ، لأنها حفرت عن قلوب المنافقين . وقال حذيفة : هي سورة العذاب . وقال ابن عمر : كنا ندعوها المشقشقة . وقال الحارث بن يزيد : كانت تدعى المبعثرة ، ويقال لها : المسورة ، ويقال لها : البحوث ؛ لأنها تبحث عن أسرار المنافقين . انظر : البرهان في علوم القرآن للزركشى ( 1 / 269 ) .