حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ
أي : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لو لم يأذن لهم لكانوا قد انكشفوا ، ولكن إذنه لهم أعطاهم ستارا يسترون به نفاقهم ، فهم قد عقدوا النية على ألا يخرجوا ، ولو فعلوا ذلك لا فتضح أمرهم للمسلمين جميعا ، فشاء الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أن يسترهم « 1 » .
ثم يقول الحق سبحانه وتعالى :
[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 44 ]
لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ( 44 )
ويلفتنا سبحانه : أن الذين طلبوا ذلك الإذن بالقعود فضحوا أنفسهم ، فقد استأذنوا بعد مجىء الأمر من اللّه
انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا ،
وكل مؤمن بالله واليوم الآخر - في تلك الظروف - لا يمكن أن يتخلف عن الجهاد في سبيل اللّه . والمؤمن الحق لن يقدم الأعذار ليتخلف ، حتى وإن كانت عنده أعذار حقيقية ، بل سيحاول إخفاءها عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليخرج معه مجاهدا بل إنه يسرع إلى الجهاد ، حتى ولو كان اللّه قد أعطاه رخصة بعدم الجهاد .
وهذه الآية - إذن - تحمل التوبيخ للذين استأذنوا ، بل وتحمل أكثر من ذلك ، فالمؤمن إذا دعى للجهاد مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وبأمر من اللّه لا يكون
هامش
( 1 ) قال قتادة وعمرو بن ميمون : ثنتان فعلهما النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يؤمر بهما : إذنه لطائفة من المنافقين في التخلف عنه ، ولم يكن له أن يمضى شيئا إلا بوحي ، وأخذه من الأسارى الفدية ، فعاتبه اللّه .