ويقول الحق بعد ذلك :
[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 43 ]
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ ( 43 )
وكلمة
عَفَا
تدل على أن هناك أثرا قد محى ؛ تماما كما يمشى إنسان في الرمال ؛ فتحدث أقدامه أثرا ، ثم تأتى الريح فتملأ مناطق هذا الأثر بالرمال وتزيله . وهي تطلق في الدين على محو اللّه سبحانه وتعالى لذنوب عباده فلا يعاقبهم عليها . وما دام الإنسان قد استغفر من ذنبه وقال : أستغفر اللّه الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه « 1 » ، فلا يجب أن يحرجه أحد بعد ذلك ، ولا أن يعايره أحد ، فقد استغفر عند من يملك الملك كله ، وهو وحده سبحانه الذي يملك العفو والمغفرة « 2 » ، فلا يدخلنّ أحدكم نفسه في هذه المسألة ، ولا يجب أن يحرج إنسان مذنبا ما دام قد استغفر من يملك العفو ، ومن يسمع مستغفرا عليه أن يقول :
عفا اللّه عنك . ولا أحد يعرف إن كان اللّه قد عفا عنه أم لا ، فلتعنه بالدعاء له ، ومن يعاير مذنبا نقول له : تأدب ؛ لأنه لم يرتكب الذنب عندك ، ولكنه ارتكبه عند ربه ، وإذا كان من يستغفر من ذنبه لا يحرج به بين الناس ، فما بالنا بعفو اللّه سبحانه القادر وحده على العفو .
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود ( 1517 ) والترمذي ( 3577 ) في سننيهما من حديث زيد مولى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . قال الترمذي : حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه . قال المنذري في الترغيب ( 2 / 269 ) : « إسناده جيد متصل » وأخرجه الحاكم في مستدركه ( 2 / 118 ) عن ابن مسعود وصححه على شرط مسلم ، وأقره الذهبي .
( 2 ) فهذا شأن الرب العفو الغفور القائل سبحانهوَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ[ آل عمران : 135 ] ، أما شأن الناس فقد قال اللّه عنهمقُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً[ الإسراء : 100 ] ، فهم بالإضافة لتصيدهم لأخطاء الناس ، لو كانت الرحمة بأيديهم وكلفوا إعطاء الناس منها لبخلوا بها .