تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5152

مساهمون:

ص٥١٥٢
ونعلم جميعا أن الإنسان لا يستأذن في إكرام ضيوفه . والمثال : هو إبراهيم عليه السّلام عندما جاءته الملائكة في هيئة رجال ، وأراد أن يكرمهم فلم يستأذنهم في أن يذبح لهم عجلا ، بل جاء به إليهم مذبوحا ومشويا « 1 » ، هذا سلوك من أراد إكرام الضيف بذبيحة فعلا ، أما من يريد أن يبحث عن العذر ، فهو يتخذ أساليب مختلفة يتظاهر فيها بالتنفيذ ، بينما هو في حقيقته لا يريد أن يفعل ، مثلما يقال لضيف : أتشرب القهوة أم أنت لا تحبها ؟ أو يقال له : هل تريد تناول العشاء أم تحب أن تنام خفيفا ؟ أو يقال : هل تحب أن تنام عندنا أم تنام في الفندق ، وهو أكثر راحة لك ؟ وما دام هناك من سأل الرسول : أأخرج معك للقتال أم أقعد ، فهذا السؤال يدل على التردد ، والإيمان يفترض يقينا ثابتا ؛ لأن التردد يعنى الشك ، وهو الذهاب والرجوع على التوالي ، وهو يعنى أن صاحب السؤال متردد ؛ لأن طرفي الحكم عنده سواء . إذن : فالمؤمنون بالله لا يستأذنون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا دعوا إلى الجهاد ؛ لأن مجرد الاستئذان في الخروج إلى الجهاد لا يليق بمؤمن . وقوله تعالى :
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ
أي : أن اللّه يعلم ما في صدورهم من تقوى ، فهم إن خدعوا الناس ، فلن يستطيعوا خداع اللّه ؛ لأنه مطّلع على ما تخفى الصدور .
هامش
( 1 ) وقد ورد هذا في قوله تعالىفَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ[ هود : 69 ] وقال :فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ[ الذاريات : 26 ] . ما لبث : أي : ما أبطأ عن مجيئه بعجل مشوى بحرّ الحجارة من غير أن تمسه النار ، وهو معنى الحنيذ .