أمورا ليس فيها أسباب ، إلا أن نلحظ دائما المسبب وهو اللّه تعالى ، فكل أمر يعز عليك في أسبابه ؛ إياك أن تيأس من أنه لا يحدث ، بل قل : تلك هي قضية الأسباب ، أما أنا فلى رب خلق الأسباب . وهو القادر فوق كل الأسباب ، وفي حياتنا اليومية نلحظ أن الناس يخلطون بين عمل الجوارح ، وعمل القلوب ، ويظن إنسان ما أنه متوكل ولا يأخذ بالأسباب ويركن إلى الكسل ويقول : أنا متوكل على اللّه ، وهذا نقول له : لا ، إن هذا منك تواكل وليس توكلا ؛ لأن التوكل ليس عمل جوارح ، التوكل عمل قلوب .
والمؤمن الذي يستقبل منهج اللّه بالفهم يجد الأسباب التي يجب أن يأخذها ، وسبحانه وتعالى هو المسبب الأعلى ، والإيمان يؤكد أن الجوارح تعمل والقلوب تتوكل ، فعلى الجوارح أن تحرث الأرض ، وأن تختار البذرة الطيبة ، وتنثرها في الأرض ، ثم ترويها ، وتتعهدها ، وهذه العمليات اسمها الأسباب ، ثم لا تركن إلى الأسباب فقط ، بل عليك أن تقول : إن فوق كل الأسباب هناك المسبّب . فمن الجائز أن يخضر الزرع وينمو ، ثم تأتى له آفة من مطر أو حر وتضيعه .
ومن ينقل التوكل إلى الجوارح . نقول له : أنت تواكلت ، أي نقلت عمل القلب إلى الجوارح . ومن يقول ذلك إنما يكذب على نفسه وعلى الناس . لأنه تكاسل عن الأخذ بالأسباب وادّعى أنه متوكل على اللّه . ولو كان الواحد من هؤلاء صادقا في توكله على اللّه لأخذ بالأسباب . وعادة فإني دائما أقول لمن يدّعى التوكل مع الكسل : لماذا لا تترك الطعام يأتي إلى فمك ، لماذا تمد إليه يديك ؟ . إن من يكسل إنما يكذب في التوكل ، فلا أحد مثلا يترك قطعة اللحم تقفز من طبق الطعام إلى فمه ، لكنه يأخذها بيده . ويمضغها بأسنانه ، ويبلعها بعد المضغ ، ولو كان صادقا في أن التوكل هو ألا تعمل جوارحه لما فعل شيئا من ذلك ، لكنه يكذب ويتواكل فيما يتعبه ويشغل جوارحه فيما يريحه ، ولا يستعملها في الأمور التي تتعبه . وقول الحق تبارك وتعالى :
وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
هذا القول يعنى أنهم يؤمنون بأن الأسباب من خلق اللّه . وحين يأخذ المؤمن