تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5144

مساهمون:

ص٥١٤٤
إذن : فقول الحق سبحانه وتعالى :
لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً
أي : لو كان أمرا من متاع سهل التناول ، ومحببا للنفس ؛ وليس فيه مشقة السفر والتضحية بالمال والنفس ؛ لأسرعوا إليه .
وَسَفَراً قاصِداً ،
والقاصد هو المقتصد الذي في الوسط ؛ وبعض الناس يسرف في الكسل ، فلا يستنبط الخير من السعي في الأرض ومما خلق اللّه ، وبعض الناس يسرف في حركة الدنيا ويركض كركض الوحوش في البرية ، ولا يكون له إلا ما قسمه اللّه . وأمزجة الناس تتراوح ما بين الإسراف والتقتير ، أما المؤمن فعليه أن يكون من الأمة المقتصدة . والحق هو القائل :
مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ
[ المائدة : 66 ] لأن المؤمن لا يأخذه الكسل فيفقد خير الدنيا ، ولا يأخذه الإسراف فينسى الإيمان . إذن : فالحق سبحانه وتعالى يوضح لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أنه لو كان هناك متاع من متاع الدنيا أو سفر بلا مشقة ولا تعب لا تبعوك ، فهم لم يتبعوك ؛ لأنه ليست هناك مغانم دنيوية ؛ لأن هناك مشقة ، فالرحلة إلى تبوك ، ومقاتلة الروم ، وهم أصحاب الدولة المتحضرة التي تضع رأسها برأس دولة الفرس ، وهذه أيضا مشقة ، والعام عسر والحر شديد ، ولو أن الأمر سهل ميسّر لا تبعوك . ويتابع سبحانه :
وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ
أي : أن المشقة طويلة ، ثم يقول :
وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ
هم إذن لم يتبعوك ؛ لأن المسألة ليست عرضا قريبا ولا سفرا سهلا ، بل هي رحلة فيها أهوال ، وتضحيات بالمال والنفس ، وحين تعود من القتال سوف يحلفون لك ؛ أنهم لو استطاعوا لخرجوا معكم للقتال .