تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5136

مساهمون:

ص٥١٣٦
واختلف العلماء « 1 » في تفسير قوله تعالى :
انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا
فبعضهم قال : إن هذه إشارة إلى ذات الإنسان ، فهناك ذات خفيفة وذات ثقيلة في الوزن لا تستطيع الحركة بسهولة ، وقال آخرون : إن الفرد الواحد يمكن أن يكون فيه الوضعان ، وقوله تعالى :
انْفِرُوا
هو أمر للجماعة ، و
خِفافاً
جمع « خفيف » ، و
ثِقالًا
جمع « ثقيل » ، ومقابلة الجمع بالجمع تقتضى القسمة إلى آحاد . والمعنى : أن ينفر كل واحد من المسلمين سواء كان خفيفا أم ثقيلا . وسبق أن ضربنا المثل حينما يدخل الأستاذ على الطلبة ويقول : أخرجوا كتبكم ، ومعنى هذا الأمر أن يخرج كل تلميذ كتابه ، وإن قلت : اركبوا سياراتكم ، فمعنى ذلك أن يركب كل واحد منكم سيارته . إذن فالآية تعنى : لينفر كل واحد منكم سواء كان ثقيلا أم خفيفا . ولكن : كيف يكون الإنسان ثقيلا وخفيفا في وقت واحد ؟ نقول : يكون خفيفا أي : ذا نشاط للجهاد ، وثقيلا أي : أنه سيدخل في مشقّة تجعل المهمة ثقيلة على نفسه . واللّه سبحانه وتعالى يقول :
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ
[ البقرة : 216 ] والدخول فيما هو مكروه « 2 » في سبيل اللّه أمر يرفع درجات الإيمان . إذن : فالآية تحتمل أكثر من معنى ، فهي تحمل المعنى العام : أن يكون البعض خفيفا والبعض ثقيلا في ذاته ، أو : أن يجمع القتال بين الخفة
هامش
( 1 ) اختلف العلماء في تفسير هذه الآية على عشرة أقوال . ذكرها القرطبي في تفسيره ( 4 / 3075 ) ثم قال : والصحيح في معنى الآية أن الناس أمروا جملة ، أي : انفروا خفّت عليكم الحركة أو ثقلت . ( 2 ) قال القرطبي في تفسيره ( 1 / 952 ) : « إنما كان الجهاد كرها ؛ لأن فيه إخراج المال ومفارقة الوطن والأهل والتعرض بالجسد للشجاج والجراح وقطع الأطراف وذهاب النفس ، فكانت كراهيتهم لذلك ، لا أنهم كرهوا فرض اللّه تعالى » .