ففي هذا القيام مغفرة وتوبة ، وهو رحمة من اللّه بهم . ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هو القائل :
« اللّه أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة » « 1 »
ويقول الحق سبحانه وتعالى في حديث قدسي : « قالت السماء : يا ربي إئذن لي أن أسقط كسفا على ابن آدم ؛ لأنه طعم خيرك ومنع شكرك ، وقالت البحار : يا رب إئذن لي أن أغرق ابن آدم لأنه طعم خيرك ومنع شكرك ، وقالت الأرض مثلهما »
فماذا قال الحق سبحانه وتعالى ؟ قال : « دعوني وعبادي ، لو خلقتموهم لرحمتموهم ، إن تابوا إلىّ فأنا حبيبهم ، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم » « 2 » .
وهكذا نرى رحمة اللّه بخلقه .
وبعد أن لام الحق سبحانه المسلمين ؛ لأنهم لم يتحمسوا للجهاد ، يفتح أمامهم باب التوبة فقال :
انْفِرُوا
أي : اخرجوا للقتال ، وهذا أمر من اللّه يوقظ به سبحانه الإيمان في قلوب المسلمين ، وفي الوقت نفسه يفتح أمامهم باب التوبة لتباطئهم عن الخروج للقتال في غزوة تبوك . ولذلك قال :
انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا
والنفرة : هي الخروج إلى شئ بمهيج عليه ، والمثال : هو التباعد بين إنسان وصديق له كان بينهما ودّ ،
هامش
( 1 ) متفق عليه ، أخرجه البخاري في صحيحه ( 6309 ) ومسلم في صحيحه ( 2747 ) واللفظ للبخاري .
و « سقط على بعيره » أي : صادفه وعثر عليه من غير قصد فظفر به بعد أن ضلّ منه ، والأرض الفلاة هي الصحراء المهلكة .
( 2 ) أورده الغزالي في إحياء علوم الدين ( 4 / 52 ) من قول بعض السلف ولفظه : « ما من عبد يعصى إلا استأذن مكانه من الأرض أن يخسف به ، واستأذن سقفه من السماء أن يسقط عليه كسفا ، فيقول اللّه تعالى للأرض والسماء : كفّا عن عبدي وأمهلاه فإنكما لم تخلقاه ، ولو خلقتماه لرحمتماه ، ولعله يتوب إلىّ فأغفر له ، ولعله يستبدل صالحا فأبدله له حسنات » .