لذلك : من فرّ من قتال اثنين يكون قد فرّ من الزحف ، ولكن إن فرّ من مواجهة ثلاثة لا يحسب فارا « 1 » ؛ لأنهم أكثر من النسبة التي قررها اللّه .
وقول الحق في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها
انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا
هو أمر يشمل الجميع على اختلاف أشكالهم ، أي : أنها تحمل أمرا عاما لكافة المسلمين « 2 » . ولكن هناك قول آخر في سورة التوبة ، أعفى بعض حالات معينة من المؤمنين الذين أخلصوا قلوبهم لله ، فيقول سبحانه :
لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 91 ) وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ
( 92 ) [ التوبة ]
أي : ليس على هؤلاء الذين جاءت الآيتان الكريمتان « 3 » بذكرهم أىّ حرج في أن يقعدوا عن القتال . وكان هذا هو الاستثناء من القاعدة العامة التي فرضت على كل مؤمن أن يقاتل في سبيل اللّه ، وهو ما جاءت به الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها :
هامش
( 1 ) عن ابن عباس أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من فر من اثنين فقد فر ، ومن فر من ثلاثة فلم يفر » . أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ( 11151 ) مرفوعا من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد عنه . قال الهيثمي في المجمع ( 5 / 328 ) : « رجاله ثقات » . وقد أخرجه سعيد بن منصور في سننه ( 2538 ) موقوفا على ابن عباس من طريق ابن أبي نجيح عن عطاء عنه .
( 2 ) قال القرطبي ( 4 / 3077 ) : « وذلك إذا تعيّن الجهاد بغلبة العدو على قطر من الأقطار ، أو بحلوله بالعقر ، فإذا كان ذلك وجب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا ويخرجوا إليه خفافا وثقالا ، شبابا وشيوخا ، كل على قدر طاقته ، من كان له أب بغير إذنه ومن لا أب له ، ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج ، من مقاتل أو مكثّر » .
( 3 ) قيل : إن آيةانْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًامنسوخة بهاتين الآيتين ، وقيل : الناسخ لها قوله :فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ[ التوبة : 122 ] . قال القرطبي ( 4 / 3076 ) : « والصحيح أنها ليست بمنسوخة » قلت : فالجهاد أحوال حسب ظروف المعركة ، فمنها ما يتوجب فيها القتال على كل أحد كما بينّا ويكون الجهاد حينئذ فرض عين ، ومنها ما لا يتوجب فيها القتال فيكون فرض كفاية ، إذا قام به البعض سقط عن الآخرين وذلك إذا كان العدو خارج الحدود ولم يغز البلاد ويحتلها .