أي : أنهما خلقا بحساب دقيق ، ويقول سبحانه :
فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً
[ الأنعام : 96 ]
أي : أنه سبحانه يطالبنا بأن نستخدم الشمس والقمر حسابا لنا . وهذا يتفق مع منطق الأمور ، فالشىء الذي تريد أن تتخذه حسابا لك ، لا بد أن يكون مصنوعا بحساب دقيق . ولذلك فإن الساعة مثلا إن لم تكن مصنوعة بدقة فإنها لا تصلح قياسا للوقت ؛ لأنها تقدم أو تؤخر . ولكن إن كانت مصنوعة بحساب دقيق فهي تعطيك الزمن الدقيق . إذن : فدقة قياس الزمن تعتمد أساسا على دقة صناعة آلات القياس .
وقبل أن ينزل الحق هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها ، كان العرب يعترفون بالأشهر الأربعة الحرم ، ولكنهم كانوا يغيّرون في مواعيدها ، فكانت الجماعة منهم تقاتل الأخرى ، فإذا ما أحسوا بقرب انتصارهم وجاءت الأشهر الحرم قالوا : نستبدل شهرا بشهر ، أي نقاتل في الشهر الحرام ، ثم نأخذ شهرا آخر نمتنع عن القتال فيه ، وحسبوا أنهم ما داموا قد حافظوا على العدد يكونون بذلك قد أدوا مطلوبات اللّه ، ولكنهم نسوا أنهم لم يحافظوا على المعدود ، ونسوا أن الدين مجموعة من القيم التي لا بد أن نؤمن بها ونطبقها .
والإيمان - كما نعلم - هو انقياد وتسليم لله سبحانه وتعالى ، فإذا أمر اللّه بأمر من الأمور فلا اختيار لنا فيه ؛ لأنه سبحانه وتعالى يرى بحكمته وعلمه هدفا أو أهدافا أو حكمة ، وهنا يجب أن يقف الاختيار البشرى ، بمعنى أنه لا أحد يملك تعديل مرادات اللّه بأي شكل من الأشكال ؛ لأننا في حياتنا اليومية حين نرى واحدا من البشر قد اشتهر بحكمته وعلمه في أمر من الأمور أكثر منا ، نقول له : وكّلناك في هذا الأمر ، وسنسير وراءك فيما تقرره . ومعنى هذا أننا سنسلم اختيارنا لاختيارات هذا الحكيم .