إننا لا نعطى أحدا هذه الصلاحية إلا إذا تأكدنا بالتجربة أنه عليم بهذه المسألة ، وأنه حكيم في تصرفه .
وإن سألك أحد من الناس : لماذا تتصرف في ضوء ما يقوله لك فلان ؟
فتقول : إنه حكيم وخبير في هذه المسائل ، وهذا دليل منك على أنك واثق في علمه ، وواثق في صدقه ، وواثق في حكمته .
والمثال الحي المتجدد أمامنا هو سيدنا أبو بكر رضى اللّه عنه عندما قيل له :
إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أعلن أنه نبي اللّه ، قال أبو بكر رضى اللّه عنه : إن كان قد قال فقد صدق . قال أبو بكر رضى اللّه عنه هذا القول ؛ لأنه عرف ولمس أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يكذب قط في كل الأحداث السابقة ، فإذا كان عليه الصلاة والسّلام لا يكذب على أهل الأرض أيكذب على السماء ؟ « 1 » طبعا هذا غير معقول .
وأنت لا تسلم زمام أمرك للمساوى لك إلا إذا كانت هناك مقدمات أثبتت أنه أعلى منك في ناحية معينة ، صحيح أنه مساويك في الفردية وفي الذاتية ، ولكنه أعلى منك علما في المجال الذي يتفوق فيه . فما يقوله تنفذه بلا نقاش لأنك وثقت في علمه . وأنت إذا مرضت - لا قدر اللّه - وكان هناك طبيب تثق في علمه وقال لك : خذ هذا الدواء ؛ أتناقشه أو تجادله ؟ طبعا لا ، بل تفعل ما يأمرك به بلا نقاش .
فإذا سألك أحدهم : لماذا تتناول هذا الدواء ؟ تقول : لقد كتبه لي الطبيب الذي أثق فيه . وهذا يكفى كحيثية للتنفيذ .
هامش
( 1 ) جاء هذا فيما وقفت عليه خاصا بحديث الإسراء ، وقد سبق تخريجه ، وهو حديث عائشة قالت : لما أسرى بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المسجد الأقصى أصبح يتحدث الناس بذلك فارتد ناس ممن كانوا آمنوا به وصدقوه وسعوا بذلك إلى أبى بكر فقالوا : هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسرى به الليلة إلى بيت المقدس . قال :
أو قال ذلك ؟ قالوا : نعم . قال : لئن كان قال ذلك لقد صدق ، قالوا : أو تصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح ؟ قال : نعم إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة . فلذلك سمى أبو بكر الصديق . أخرجه الحاكم في مستدركه ( 3 / 62 ) وصححه وأقره الذهبي .