تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5082

مساهمون:

ص٥٠٨٢
إذن : فكل جمع يكون مؤنثا ، وهذا ما ينطبق على قوله سبحانه وتعالى هنا :
فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ .
وأكرر : إن أردت الظلم العام فإن اللّه قد حرم الظلم في كل شهور السنة ؛ سواء ظلمك لنفسك أم ظلمك للناس ، وإن أردت من معنى الكلام تحريم الحرب في الأشهر الحرم تكون :
فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ
قد أتت بالمؤنث . ومعنى قوله :
فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ
أي : إياكم أن تظنوا أن مخالفتكم لمنهج اللّه يحدث منها شئ يضر الحق سبحانه ، فكل ما يحدث من ظلمكم لأنفسكم هو أن تضروا أنفسكم أو غيركم ، لكن لن يضر أحدكم اللّه ؛ لأن صفات اللّه في الكون لا تتأثر أطاع الخلق أم عصوا . ولذلك فإن اتباع منهج اللّه هو أمر لصالح الناس ، لصالحنا نحن ، فانصرافنا عن المنهج لا يضر اللّه سبحانه شيئا ولكن يضرنا نحن ، فكل ما أنزله اللّه من قيم هو لصالحنا حربا وسلاما ، وتحريما وتحليلا . ولكن لماذا خصّ الحق سبحانه الشمس بحساب اليوم ، والقمر بحساب الشهر ؟ وأقول : لأن اللّه سبحانه يريد أن يوزع الفضل على كل الزمن ، وأن ييسر على الناس أداء مناسكه وما يكلفهم به . فلو حسبت الشهور بالشمس لكان ميعاد الحج كل عام في أشهر الصيف دائما ، ومن يعيش مثلا في بلاد باردة إن ذهب إلى الحج صيفا يتعرض لأخطار شديدة ، فكأنه ليس هناك عدل بين الذين يعيشون في مناطق باردة ، والذين يعيشون في مناطق حارة في أداء مناسك الحج ، فلو كان ميعاد الحج هو الصيف دائما ، فسوف يؤديه الذين يعيشون في المناطق الحارة بسهولة ، بينما يؤديه من يحيا في المناطق الباردة بصعوبة ، ولتمام عدل اللّه بين خلقه نجده سبحانه قد أدار الأشهر القمرية في السنة الميلادية ، فلا يأتي الحج أبدا في طقس واحد ، وبذلك تستوى كل البيئات وكل الناس في أحكام اللّه .
تفسير الشعراوى — صفحة 5082 | محمد متولي الشعراوي