تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5078

مساهمون:

ص٥٠٧٨
في الدنيا كلها واحد ، فلا يوجد حقان ، بل حق وباطل ، وإن وجد الصراع فإنه لا يطول بينهما ؛ لأن الباطل زهوق بطبيعته ، وإن وجدت حرب بين باطلين ، فالسماء توضح لنا أنه لا يوجد باطل منهما أولى بأن ينصره اللّه على الآخر ؛ بل يترك سبحانه هذا الصراع لأسبابهم ؛ مما يطيل أمد الحرب . وحين شرع اللّه الأشهر الحرم ، ضمن الناس مطلوبات السّلام الدائم ؛ لأن الناس تنهكهم الحرب ويحبون أن يرتاحوا منها ، فإذا جاءت الأشهر الحرم كانت فرصة للناس ليوقفوا الحرب ، دون أن يشعر أحدهم بالذل والهوان والهزيمة . ونحن نلجأ إلى ذلك أحيانا ، فإذا كنا في بيت يسكنه عدد من الناس - كما يحدث في الريف - وسرق شئ ثمين من هذا البيت ، والسارق من السكان ونريد منه أن يعيده دون أن ينكشف أمره فهم يحددون مكانا معينا ، وكل واحد من سكان البيت يأتي ليلا ويضع حفنة من التراب في هذا المكان ، لعل السارق يضع ما سرقه بين حفنة التراب ، وهو بذلك يأخذ فرصة من مجتمعه الصغير ليعيد ما سرقه دون أن يعرفه أحد ، وفي هذا ستر له فلا ينفضح أمام الناس . والأشهر الحرم فرصة للسلام دون أن ينفضح أحد من الأطراف المتحاربة أمام الناس بأنه ضعيف أو غير قادر على الاستمرار في الحرب ، وتتوقف خلالها الحرب وقد ستر اللّه كل أطرافها ، وتقوى خلالها فرص أكبر للسلام والصلح ، وبذلك تكون فرص السّلام أكبر من فرص الحرب بكثير . ولكن ماذا يحدث عندما يعتدى عصاة غير مطيعين لله على المؤمنين في الأشهر الحرم التي حرم اللّه القتال فيها ؟ إن الحق سبحانه لا يعنى بتشريعاته أبدا أن تكون مصدر إذلال للمؤمنين وإعزاز للكافرين ؛ ولذلك ينبهنا إلى أننا يجب ألا نسمح لأعداء اللّه بأن يستغلوا حرمة الأشهر الحرم ليتمادوا