تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5031

مساهمون:

ص٥٠٣١
يكونوا موالين لا نافضين لأيديهم منا ومن حكمنا ، والملحظ الثاني : أن يأتي بها بنفسه لا أن يرسل بها رسولا من عنده ، وإن جاء بها لا بد أن يأتي بها وهو ماش وأن يعطيها وهو واقف ومن يأخذ الجزية قاعد ، وهذا هو معنى
وَهُمْ صاغِرُونَ .
ولماذا يعطونها عن صغار ؟ لأن الحق عز وجل أراد للإسلام أن يكون جهة العلو ، وقد صنع فيهم الإسلام أكثر من جميل ، فلم يقتلهم ولم يرغمهم على الدخول إلى الإسلام ؛ لذلك فعليهم أن يتعاملوا مع المسلمين بلا كبرياء ولا غطرسة ، وأن يخضعوا لأحكام الإسلام ، وأن يكونوا موالين للمسلمين ، لا نافضين الأيدي ، وأن يؤدوا الجزية يدا بيد ، وأما العاجز وغير القادر فيعفى من دفع الجزية « 1 » .
حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ
والصّغار من مادة الصاد والغين والراء ، وتدل على معنيين ؛ إن أردتها عن السن يقال « صغر » « يصغر » مثل قولنا : فلان كبر يكبر . وإن أردتها في الحجم والمقام نقول « صغر » « يصغر » ، أي : صغر مقاما أو حجما ، ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى :
كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ
[ الكهف : 5 ] وهنا في قوله :
حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ
تعنى أن يؤدوها عن انكسار لا عن علو ، حتى إنّ من يعطى لا يظن أنه يعطى عن علو ، ونقول له : لا ، إن اليد الآخذة هنا هي اليد العليا . ثم أراد الحق سبحانه وتعالى أن يعطينا حيثيات قتال الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ، فقال بعد ذلك :
هامش
( 1 ) قال القرطبي في تفسيره ( 4 / 3041 ) : « قال علماؤنا : أما عقوبتهم إذا امتنعوا من أدائها مع التمكن فجائز ، فأما مع تبيّن عجزهم فلا تحل عقوبتهم ، لأن من عجز عن الجزية سقطت عنه ، ولا يكلف الأغنياء أداءها عن الفقراء . وروى أبو داود عن صفوان بن سليم عن عدة من أبناء أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن آبائهم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلّفه فوق طاقته أو أخذ شيئا منه بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة » . الحديث أخرجه أبو داود في سننه ( 3052 ) .