مما سواهما ، ومن أحب عبدا لا يحبه إلا لله ، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه اللّه منه كما يكره أن يلقى في النار » « 1 » .
ومن رحمة اللّه تعالى بخلقه أنه لم يجعل الطعام وقودا للطاقة فقط ، بل يغرى الناس على وقود الطاقة لاستبقاء الحياة بأن يستلذ الإنسان الطعام ، ويطيل أمد اللذة ساعة تناوله ، لا أن ينتظر النفع بعد أن يهضم الطعام . فكأن الإيمان لا يستمر إلا لمن يحب في اللّه ويكره في اللّه ؛ فذلك يعطيه الطاقة التي تستبقى إيمانه ؛ كما تستبقى طاقة الطعام حياة الإنسان . وشاء اللّه سبحانه وتعالى أن يعطينا في تصوير الجنة المثل لما في الجنة ، لا بتشخيص وتحديد لما في الجنة فعلا ، ويقول سبحانه وتعالى :
فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
( 17 )
[ السجدة ]
وإذا كانت النفس لا تعلم شيئا ، فهي لا تملك ألفاظا تضع فيها ما لا تعلمه ، فإذا خاطبها اللّه تعالى بواقع الجنة فهي لن تفهم ، لذلك شاء الحق تبارك وتعالى أن يخاطبها بواقع المثل ، فيقول عز وجل :
وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ
( 25 ) [ البقرة ]
إذن : فهو رزق يشبه الرزق الموجود في الدنيا ولكن ليس هو « 2 » ، أما أن
هامش
( 1 ) متفق عليه . أخرجه البخاري ( 16 ) . ومسلم ( 43 ) عن أنس بن مالك .
( 2 ) قال القرطبي في تفسيره ( 1 / 284 ) :مِنْ قَبْلُيعنى في الدنيا ، وفيه وجهان ، أحدهما : أنهم قالوا : هذا الذي وعدنا به في الدنيا والثاني : هذا الذي رزقنا في الدنيا ، لأن لونها يشبه لون ثمار الدنيا ، فإذا أكلوا وجدوا طعمه غير ذلك . وقيلمِنْ قَبْلُيعنى في الجنة لأنهم يرزقون ثم يرزقون ، فإذا أتوا بطعام وثمار في أول النهار فأكلوا منها ، ثم أتوا منها في آخر النهار ، قالوا : هذا الذي رزقنا من قبل ، يعنى أطعمنا في أول النهار لأن لونه يشبه ذلك ، فإذا أكلوا منها وجدوا لها طعما غير طعم الأول .
وقال ابن عباس :وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً :هذا على وجه التعجب ، وليس في الدنيا شئ مما في الجنة سوى الأسماء ، فكأنهم تعجّبوا لما رأوه من حسن الثمرة وعظم خلقها .