« فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر » « 1 »
إذن : فلا توجد في اللغة ألفاظ تعبر عن نعيم الجنة ؛ لأن المعنى غير معروف لنا ، ولكن اللّه أراد أن يحببنا فيها فأعطانا صورة نفهمها عن النعيم ، فيقول عز وجل :
مَثَلُ الْجَنَّةِ
وهو يريدنا أن نعرف أن فيها نعيما خاليا من كل المنغصات التي تكون في المثل . فمثلا الخمر في الدنيا فيها خصلتان ؛ الأولى أنها تغتال العقول « 2 » والثانية : أنها لا تشرب بقصد اللذة ، والذي يشرب الخمر لا يشربها مثلما يشرب كوب عصير المانجو أو عصير الليمون الذي يستطعمه ويشربه على مهل ، ولكنه يسكب الكأس في فمه دفعة واحدة ؛ لأن طعمها غير مستساغ وليقلل زمن مرور الخمر على الحس الذائق ، ومعنى هذا أن طعمها غير مستطاب ، ثم إنها تذهب بوعى الشارب لها فيفقد السيطرة على سلوكه ، ويعتذر في الصباح عما فعل أثناء احتسائه للخمر ويقول خجلا :
« لم أدر موقع رأسي من موقع قدمي » هذه خمر الدنيا ، ولكن الخمر في الجنة لا غول فيها . . أي : لا تغتال العقول ، حلوة المذاق ، ولذلك يصفها اللّه سبحانه وتعالى بقوله :
لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ
[ محمد : 15 ]
أي : أنها مختلفة تماما عن تلك الخمر التي حرمها اللّه في الدنيا . وتتجلى الحكمة في معنى الاستطعام في قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم :
« ثلاث من كنّ فيه وجد بهنّ طعم الإيمان : من كان اللّه ورسوله أحب إليه
هامش
( 1 ) عن سهل بن سعد الساعدي قال : « شهدت من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مجلسا وصف فيه الجنة حتى انتهى ، ثم قال صلّى اللّه عليه وسلّم في آخر حديثه : فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، ثم قرأ هذه الآية :تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ . فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ »أخرجه مسلم في صحيحه ( 2825 ) وأحمد ( 5 / 334 ) من طريق ابن وهب عن أبي صخر به إلى سهل بن سعد ، وأخرجه الحاكم في مستدركه ( 2 / 413 ) من طريق عبد اللّه بن سويد عن أبي صخر به . وقال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وأقره الذهبي .
( 2 ) تغتال العقول : تسكرها وتذهب بها .