تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5027

مساهمون:

ص٥٠٢٧
يقال : إن نعيم الجنة هو النعيم الروحي أو نعيم الخواطر أو ما نسميه آمال النفس ، كأن يتخيل إنسان جائع أنه أكل كمية كبيرة من اللحم أو السمك ؛ فتسعد روحه بذلك من غير واقع يحدث ، فكل هذا غير حقيقي ، ولكنهم يقولون هذا الكلام ؛ لأنهم إذا ما تصوروا نعيم الجنة كالخواطر ، فسوف يكون عذاب النار مقابلا أيضا لنعيم الجنة ، أي سيكون عذاب الخواطر ، وفي هذا تصور لعذاب سهل ؛ لأنهم يخافون عذاب النار فيريدونه عذابا روحيا . ولكن الإحساس بالنعيم والعذاب لا بد أن يكون له واقع يشبهه في الدنيا ، وإلا ما وجد في أنفسنا ما يجعلنا نرغب في نعيم الجنة ونخاف من عذاب النار . لذلك فإن نعيم الجنة حق ، وعذاب النار حق . وشاء اللّه سبحانه أن يصفى النعيم من كل الشوائب ، فقال عز وجل عن أنهار الجنة :
وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى
[ محمد : 15 ] أي : ليس فيه كل الشوائب الموجودة في عسل الدنيا . وكذلك قال عن لبن الجنة :
وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ
[ محمد : 15 ] وكلمة
لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ
لها عند العرب أيام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم معنى ؛ لأن العربي كان يحلب الجمال ويضع ألبانها في الأواني ، وكان اللبن يتغير طعمه ويصير حامضا ، لكنه كان مضطرا أن يشربه ؛ لذلك فحين يسمع
وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ
فهو يعطيه المثل من حياته ، بعد أن ينقيه من كل الشوائب التي تفسد طعم اللبن في الحياة الدنيا . وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى :
قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
أي الإيمان الواجب بعظمة اللّه وتنزيهه . واليهود يؤمنون إيمانا إجماليا بالله ، ولكنهم يجسّمونه ويقولون : إنه جلس على صخرة ومد قدميه في قصعة من الزمرد ثم استنكف اللّه أن يمد يده لبنى إسرائيل ، وهذا تصوير لا يليق بكمال