تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5008

مساهمون:

ص٥٠٠٨
ونفسه تمتلئ فرحا . وإذا بالسجان يضربه بشدة على يده فيسقط الكوب على الأرض ، فيصاب المسجون بصدمة شديدة . وهذه أبشع طرق التعذيب . ولو أن السجان رفض إحضار كوب الماء من أول الأمر لكان ذلك أقل إيلاما للسجين . لكن بعد أن يحضر كوب الماء للمسجون ويضعه في يده ثم يحرمه منه فهذا أكثر عذابا . وهكذا أراد اللّه أن يزيد من عذاب الكافرين فأعطاهم مقدمات النصر وحلاوته أولا ، ثم جاءت من بعد ذلك مرارة الهزيمة لنسلبهم كل شئ ، وبذلك تجتمع لهم فجيعتان : فجيعة الإيجاب ، وفجيعة السلب . ثم تأتى لمحة الرحمة التي يغمر بها اللّه سبحانه وتعالى كونه كله ، ويفتح الباب لكل عاص ليعود إلى طريق الإيمان فيتقبله اللّه ، ويقول الحق تبارك وتعالى :

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 27 ]

ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 27 ) وهذه هي عظمة الخالق ، الرحمن الرحيم ، فهو يفتح الباب دائما لعباده ؛ لأنه هو خالق هذا الكون ، وكل من عصى يفتح اللّه أمامه باب التوبة ، وهذه مسألة منطقية ؛ لأن الذي يكفر والذي يعصى لا يضر اللّه شيئا ، ولكنه يؤذى نفسه ويحاول أن يفترى على نواميس الحق ، وحين يعلم العاصي أنه لا ملجأ له إلا اللّه ، فالله عز وجل يفتح له باب التوبة . وبعد أن بيّن اللّه سبحانه وتعالى لنا في هذه السورة أن اللّه ورسوله برئ من المشركين ، وكشف عن طبيعتهم بأنهم لا عهد لهم ولا ذمة ، ويصفى هذه المسائل تصفية عقدية في
بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ،
وطلب منا أن ننهى العقود التي بيننا وبينهم . . فمن نقض العهد انتهى عهده ، ومن حافظ عليه حافظنا نحن على العهد إلى مدته ، ثم طلب من المشركين ألا يقربوا المسجد الحرام ، وصفّى أي ضغينة أو ذنب بفتح باب التوبة . ومن بعد ذلك ينتقل