أكثر كثافة في الخلق ويدخل في جسدك ولا تحس به .
إذن : فالعلم أثبت لنا أن هناك موجودات لا نراها . ولو أننا باستخدام الميكروسكوبات الإلكترونية الحديثة فحصنا كل خلية في جسم الإنسان فإننا سنرى العجب ، سنرى في جلد الإنسان الذي نحسبه أملس آبارا يخرج منها العرق ، وغير ذلك من تفاصيل بالغة الدقة لا تدركها العين ، فإذا حدّثنا اللّه سبحانه وتعالى بأن هناك ملائكة تنزل وتقاتل ، فنحن نصدق ، وقد جعل الحق تبارك وتعالى لنا ما يطمئن بشريتنا فقال :
جُنُوداً لَمْ تَرَوْها ،
فإن قال واحد : إنّه رآها ، وقال آخر : لم أر شيئا ، نقول : إن قول الحق
لَمْ تَرَوْها
أي : لم تروها مجتمعين ، فهناك من لمحها ، وهناك من لم يرها .
وقول الحق سبحانه وتعالى :
وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا
أي : بالقتل أو بالأسر أو بسلب أموالهم ، وقوله تعالى :
وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ
أي : أن ما لحق بهم من هزيمة كان جزاء لهم على كفرهم . ولكن البعض يتساءل : لماذا لم ينزل الجزاء وتتم الهزيمة من أول لحظة في القتال ؟ نقول : إن اللّه أراد أن يزيد عذابهم ، فلو أنه ألحق بهم الهزيمة من أول لحظة ، لكان ذلك أخف على أنفسهم وأقل عذابا ، ولكنه أعطاهم أولا فرحة النصر حتى تأتى الهزيمة أكثر قسوة وأكثر بشاعة ، والشاعر يقول :
كما أدركت قوما عطاشا غمامة * فلمّا رأوها أقشعت « 1 » وتجلّت
فحين تمر سحابة على قوم يعانون من شدة العطش ، هم يحلمون أن تمطر عليهم ، لكن الحلم يتبدد تماما كالمسجون الذي يعاني من عطش شديد . فيطلب من السجان شربة ماء فيقول له السجان : سأحضرها لك . وفعلا يذهب السجان ويحضر له كوب ماء مثلج فيعطيه له ويمسك المسجون الكوب بيده
هامش
( 1 ) أقشعت : انقشعت وذهبت عن وجه السماء .