تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5011

مساهمون:

ص٥٠١١
فكأن جوارح الإنسان تقول له يوم القيامة : لقد أتعبتنى في الدنيا وأكرهتنى على فعل أشياء لم أكن لأفعلها لأننى عابدة مسبحة لله ، وإن ما أمرتني به يخرج عن طاعة اللّه عز وجل ، وسبق أن ضربت المثل بقائد الكتيبة الذي يصدر أوامر خاطئة فيطيعه الجنود ، فإذا ما عادوا إلى القائد الأعلى شكوا له مما كان قائد الكتيبة يكرههم عليه ، كذلك أبعاض الجسم تشهد عليه عند خالقها يوم القيامة . فإن كنت عابدا مسبّحا كانت جوارحك معك . وإن كنت غير ذلك كانت جوارحك ضدك ، فاللسان مثلا عابد مسبح في ذاته ، فإذا أكرهته على أن يشرك بالله فهو مكره في الدنيا ، ويصير شاهدا عليك يوم القيامة . والحق سبحانه وتعالى ينادى يومئذ قائلا :
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
( 16 ) [ غافر ] وهنا يقول الحق عز وجل :
إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ
أي : أن عقيدتهم الفاسدة تنضح على تصرفاتهم ، وسبحانه وتعالى يربب المعاني الإيمانية في النفوس أي يزيدها ، ومثال ذلك : نحن نرجم إبليس كمنسك من مناسك الحج ، نرجم قطعة من الحجر رمزنا إليها بالشيطان ، ونحن لا نرى الشيطان ، وقد وضعنا له رمزا وأرسينا في أعماقنا أن الشيطان عدو لنا ويجب أن نرجمه لنبتعد عن مراداته ، وبذلك أبرزنا هذه المعاني في أمر حسى ؛ لنوضح للنفس البشرية أن الشيطان عدو لنا ، وكلما وسوس الشيطان لنا بأمر نرجمه بأن نبين لأنفسنا قضايا الإيمان الناصعة فيهرب منا . وكل منا عليه أن يتذكر أن الشيطان سوف يضحك على العاصين والكافرين في يوم القيامة ، ويقول ما أورده الحق سبحانه وتعالى على لسانه :
وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي
[ إبراهيم : 22 ] وفي هذا القول سخرية ممن صدقوه ؛ لأن السلطان إما سلطان القهر بأن تأتى لإنسان بما هو أكبر منه وتقهره على فعل شئ بالقوة ، وإما سلطان الإقناع
تفسير الشعراوى — صفحة 5011 | محمد متولي الشعراوي