تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5004

مساهمون:

ص٥٠٠٤
وقد حدّثونا عن أن الملائكة نزلت وثبّتت المؤمنين ، وألقت الرعب في قلوب الكافرين وأنزلت العذاب بهم . والذين آمنوا هم الذين شهدوا بذلك ؛ لأنهم وصفوا كائنات على جياد بلق « 1 » ولم يكن عندهم مثلها . وإذا حدثنا القرآن الكريم بأن الملائكة قد نزلت وأن هناك من رآهم « 2 » ، فعلى الإنسان منا أن يقف موقف المؤمن ، وأن يثق في القائل وهو صادق فليؤمن بما قال ولا يبحث عن الكيفية . وإن كان منكم من يقف أمام هذه المسألة فعليه ألا يقف وقفة الرافض لوجودها ، ولكن وقفة الجاهل لكيفيتها ؛ لأن وجود الشئ مختلف تماما عن إدراك كيفية وجوده . وهناك أشياء كثيرة في الكون ، موجودة وتزاول مهمتها ، ونحن لا ندرك كيفية هذا الوجود . وليس معنى عدم إدراكنا لها أنها غير موجودة . وكل الاكتشافات التي قدمها لنا العلم المعاصر كانت موجودة . ولكننا لم نكن ندرك كيفية وجودها من قبل . فالجاذبية الأرضية كانت موجودة . لكننا لم نكن ندرك وجودها ولا كيفية عملها ، وكذلك الكهرباء كانت موجودة في الكون منذ بداية الخلق ، ولكننا لم نكن ندرك وجودها حتى كشف اللّه تعالى لنا وجودها فاستخدمناها ، والميكروبات كانت موجودة في الكون تؤدى مهمتها ولم نعرفها ، حتى كشف اللّه لنا عنها فعرفنا وجودها وكيفية هذا الوجود ، فكل هذه الأشياء كانت موجودة في كون اللّه منذ خلق اللّه الكون . ولكننا لم نكن ندرك وجودها . وعدم معرفتنا لم ينقص من هذا الوجود شيئا ؛ ولذلك إذا حدّثت بشئ لا يستطيع عقلك أن يفهمه فلا تنكر وجوده ؛ لأن هناك أشياء لم نكن نعرف عنها شيئا ، ثم أعطانا اللّه تعالى العلم فوجدنا أنها تعيش بقوانين
هامش
( 1 ) البلق : سواد وبياض . والجياد البلق : هي السوداء التي ارتفع البياض إلى أفخاذها . ( 2 ) قال القرطبي في تفسير الآية ( 4 / 3028 ) :وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهاوهم الملائكة ، يقوّون المؤمنين بما يلقون في قلوبهم من الخواطر والتثبيت ، ويضعفون الكافرين بالتجبين لهم من حيث لا يرونهم ومن غير قتال ، لأن الملائكة لم تقاتل إلا يوم بدر . وروى أن رجلا من بنى نصر قال للمؤمنين بعد القتال : أين الخيل البلق ، والرجال الذين كانوا عليها بيض ، ما كنا فيهم إلا كهيئة الشامة ، وما كان قتلنا إلا بأيديهم ، أخبروا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك فقال : تلك الملائكة .