تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 4979

مساهمون:

ص٤٩٧٩
بمن هم أعلى منهم ، لأنهم سينالون منهم خيرا . وفي الدنيا إذا أراد إنسان أن ينال نعم كل الخلق ، فلا بد أن يفرح بالنعمة عند صاحبها ؛ لأنه حين يفرح بالنعمة عند صاحبها أتت إليه واستفاد منها ، وعلينا أن نوقن بأن النعمة تعشق صاحبها أكثر من عشق صاحبها لها ، لأنها تعرف أن اللّه قد أرسلها إليه ، ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى :
تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها
[ إبراهيم : 25 ] وأنت حين تبذر بذرة الشجرة ، تعطيك الشجرة الثمار ، وهي التي تعطيك نتاجها . ولست أنت الذي تنتزعه منها ، ولذلك نقول دائما : إن الرزق يعرف عنوانك جيدا ولكنك لا تعرف مكانه أبدا ، فأنت تبحث عن الرزق في كل مكان وقد لا تجده . ولكن ما قسمه اللّه لك من الرزق تجده يسعى إليك ويأتيك حتما . وأهل الجنة لا يعرفون الحقد ولا الحسد ولا الغل . وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأصحابه وهم جالسون معه ذات يوم : « يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة » . ودخل الرجل وعرفه الصحابة ، فأرادوا أن يعرفوا ماذا يعمله هذا الصحابي حتى يستحق بشارة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالجنة . قالوا له : ونحن نريد أن نعرف ماذا تفعل لنكون معك . فقال الرجل : إني لأصلى كما تصلون وأصوم كما تصومون وأزكى كما تزكون . ولكني أبيت وليس في قلبي غل لأحد . فذهبوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقالوا له : لقد قال الرجل كذا وكذا . فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « وهل فضلت الجنة على الدنيا إلا بهذا » « 1 »
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في مسنده ( 3 / 166 ) وابن المبارك في الزهد ( 694 ) وعزاه الهيثمي في المجمع ( 8 / 79 ) لأحمد والبزار بنحوه . وقال « رجال أحمد رجال الصحيح » . وليس فيه « وهل فضلت الجنة على الدنيا إلا بهذا » . وقد تتبعه عبد اللّه بن عمرو ليستطلع عمله ثم قال له : لم أرك تعمل كثير عمل فما الذي بلغ بك ما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : ما هو إلا ما رأيت . . . غير أنى لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشا ولا أحسد أحدا على خير أعطاه اللّه إياه . فقال عبد اللّه : هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق .