إذن فهذا قمة الفوز للقوم الذين يبشرهم اللّه في هذه الآية بالرحمة منه وبالرضوان المقيم . والبشارة - كما نعلم - هي نوع من الإعلام بشئ سوف يأتي مستقبلا ، أي ، أنك حين تبشر إنسانا فأنت تخبره بشئ قادم يسره .
إذن ففائدة البشارة أن تغرى الإنسان بسلوك السبيل الذي يحققها ، فأنا أبشرك بالنجاح إن استقمت وذاكرت واستمعت للأساتذة ، ويشجعك كلامي لتجتهد حتى تحقق هذه البشارة ، فكأن البشارة تجعلك تتخذ الوسيلة التي توصلك إليها .
ولذلك فقد قلنا : إن الأسباب والمسببات والعلة والمعلول والشرط والجواب ؛ كلها يجب أن تحرر بشكل آخر ، لأننا كنا نتعلم أن الشرط سبب في الجواب ؛ كقولك : « إن تذاكر تنجح » ، وعلى ذلك فالشرط هو المذاكرة ، وسبب الجواب هو النجاح ، ونقول : لا ، إن الجواب هو السبب في الشرط لأنك لا تذاكر إلا إذا تمثل لك النجاح بكل ما يحققه لك من فرحة ، إذن فالشرط سبب في وجود الجواب واقعا . والجواب سبب في وجود الشرط دافعا ، أي أ : ن الدافع لمذاكرتك هو ما يمثله لك النجاح من قيمة مادية ومعنوية . وكل إنسان يرغب في النجاح ، لكن النجاح لا يتحقق بالدعاء فقط ، بل بالمذاكرة التي تحقق النجاح كواقع . بمعنى أنك لا تذاكر إلا وقد تمثل لك النجاح بمواهبه ومزاياه وبمكانته ويفرح أهلك بك ، وبفرحك بنفسك . ولهذا نقول : إن السبب هو الذي يوجد أولا في الذهن .
ومثال آخر : لنفترض أنك تريد أن تسافر إلى الطائف . فتكون الطائف هي الغاية ، وتكون أنت قد خططت للوسيلة وفي ذهنك الغاية ، إذن فالجواب يوجد دافعا ، والشرط يوجد واقعا . وقوله تعالى :
يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ
أي : يخبرهم بالنهاية السارة التي سوف يصلون إليها ليتحملوا مشقة التكاليف التي يأمرهم