بها المنهج ؛ لأن الجنة محفوفة بالمكاره « 1 » ، ولأن التشريع الإلهى تقييد لحرية الاختيار في العبد ، والمؤمن مقيد بأوامر اللّه تعالى في « افعل » و « لا تفعل » .
ولكن غير المؤمن إنما يتبع هواه في كل حركاته ، ويفعل ما يشاء له من الهوى ويطيع نزواته كما يريد ، أما المؤمن فحريته فقط فيما لم يرد فيه تشريع من اللّه تعالى ، أما ما يخضع للمنهج فهو مقيد الحركة فيه بما قضى اللّه به . فكأن الإيمان جاء ليقيد ، ولكن إذا قارنا بين الجزاءين ، نجد أن الذي يتبع شهواته في الدنيا إنما يحصل على لذة موقوتة ، وعمره في الدنيا محدود ، إذن فهو الخاسر ، لأن الذي قيد حركته بمنهج اللّه يأخذ اطمئنانا في الندنيا ونعيما مقيما لا يزول ولا ينتهى في الآخرة « 2 » . والمثال الذي أضربه دائما هو الطالب الذي لا يذهب إلى المدرسة ولا يذاكر ، ولكن يقضى وقته في اللعب واللهو ، وهو قد أعطى نفسه ما تريد ، ولكنه أخذ متعة محدودة ، ثم بعد ذلك يعيش في شقاء بقية عمره .
أما الذي قيد حركته بالمذاكرة ، فقد منع شهوات نفسه في اللعب واللهو .
وتكون الثمرة أنه يحقق لنفسه مستقبلا مريحا ومرموقا بقية عمره .
إذن فكل من الطالب الذي يجتهد وذلك الذي يلهو ويلعب ، كل منهما أخذ لونا من المتعة . ولكن أحدهما أخذ متعة قصيرة جدا ، ثم أصبح من صعاليك الحياة ، أما الثاني فقد قيد نفسه سنوات معدودة ليتمتع بمستقبل ناجح .
كذلك أنت في الدنيا ؛ إن قيدت نفسك بالتكاليف « افعل » و « لا تفعل » ،
هامش
( 1 ) عن أنس بن مالك رضى اللّه عنه قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « حفت الجنة بالمكاره ، وحفت النار بالشهوات » . أخرجه مسلم في صحيحه ( 2822 ) وأحمد في مسنده ( 3 / 153 ، 254 ، 284 ) والترمذي في سننه ( 2559 ) وقال : حسن غريب من هذا الوجه صحيح .
( 2 ) وهذا في مثل قوله تعالى :مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ( 97 ) [ النحل ]
أما الذي خرج عن منهج اللّه وأعرض عنه فقد قال عنه القرآن :وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى( 124 ) [ طه ]