الاعتكاف فتنزع نفسك ممن ينوى أن يتكلم معك في أحوال الدنيا .
لقد ورد الأثر النهى عن الحديث في المساجد لأنه يحبط العمل ويمحو الحسنات ، وأنت قد تصنع الحسنات كثيرا خارج المسجد ، ولكن عليك ألا تدخل المسجد إلا بأدب المسجد ؛ فالحضور بين يدي اللّه تعالى في مسجده وفي بيته له آدابه وسلوكه ، فيجب عليك ألّا تتخطى الرقاب وهذه لا تحتاج إلى تنظيم ، بمعنى ألا تجعل الأماكن في الأمام خالية ، وفي الخلف مزدحمة ؛ حتى يستطيع أن يجلس كل من يحب أن يصلى دون أن يتخطى الرقاب « 1 » ، ويكون الجلوس في المساجد ، الأول فالأول ، وهكذا يتحقق الأدب الإيمانى في المساجد .
ونعلم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم دعا بالبوار على كل صفقة تعقد في المسجد . ودعا على كل من يريد شيئا دنيويا من المسجد ألا يوفقه اللّه فيه ، ودعا على كل من ينشد ضالة في المسجد ألا يرد اللّه عليه ضالته ، حيث قال صلّى اللّه عليه وسلّم في الحديث الذي يرويه عنه أبو هريرة رضى اللّه عنه :
« إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا : لا أربح اللّه تجارتك « 2 » وإذا رأيتم من ينشد ضالته فقولوا : لا ردها اللّه عليك » « 3 » وفي حديث آخر له رضى اللّه عنه قال : إنه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « من سمع رجلا ينشد ضالته في المسجد فليقل : لا ردها اللّه عليك فإن المساجد لم تبن لهذا » « 4 » .
فالنجعل الجلوس في المسجد - إذن - خاصا بالمنعم وهو اللّه ، أما في خارج المسجد وفي سائر الأوقات ، فنحن نعيش مع النعمة التي أنعم اللّه بها علينا .
هامش
( 1 ) عن عبد اللّه بن بسر قال : جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يخطب فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « اجلس فقد آذيت » أخرجه أحمد في مسنده ( 4 / 190 ) وأبو داود ( 1118 ) والنسائي ( 3 / 103 ) .
( 2 ) أي : لا أوقع اللّه فيها الربح ، لأنك أتيت بها في محل جعل للذكر والصلاة وقراءة القرآن . والبيع والشراء محلهما في الأسواق خارج المساجد .
( 3 ) أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة ( ص 73 ) والدارمي ( 1 / 326 ) والترمذي ( 1321 ) وقال : حسن غريب . وكذا الحاكم ( 2 / 56 ) وقال : صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه . ووافقه الذهبي .
( 4 ) أخرجه مسلم في صحيحه ( 568 ) وأحمد ( 2 / 349 ) وابن ماجة في سننه ( 767 ) .