تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 4903

مساهمون:

ص٤٩٠٣
مبلغا من شخص آخر وكتب إيصالا عليه بذلك المبلغ ، فهذا الإيصال هو الضامن للسداد ، وكذلك إن كان هناك شهود فشهادتهم تضمن الحق لصاحبه . ولكن إن لم يكن هناك إيصال ولا شهود ، يصبح الأمر موكولا إلى ذمة المقترض ؛ إن شاء هذا المدين اعترف بالقرض ، وإن شاء أنكره ، وهناك ذمة أخرى هي التي بينك وبين نفسك ، والمثال على ذلك قد تعاهد نفسك بأن تعطى فلانا كل شهر مبلغا من المال ، وهذا أمر ليس فيه عهد مكتوب أو شهود لكنه متروك لذمتك ، إن شئت فعلته ، وإن شئت لم تفعله . وما في الذمة - إذن - هو شئ إن لم تفعله تفضح ، مثال ذلك : أن تقرر بينك وبين نفسك أن تساعد أسرة ما ، وهذا أمر خاضع لإرادتك ، فلا عهد يجبرك على ذلك ولا قرابة ولا جوار ، لا شئ إلا ذمتك ، ولذلك فأنت تراعى الوفاء بما وعدت نفسك به لتحافظ على سمعتك ورؤية الغير لك . وكذلك أيضا حين تأخذ دينا بلا إيصال منك أو شهود عليك ، ولكنك تحرص على أن ترده لأنه في ذمتك .
كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ
( 8 ) [ التوبة ] وهكذا نعرف أن « كيف » هنا تعجب من أن يكون للمشركين الآن أو في المستقبل عهد لأنهم يحترفون نقض العهود ولو تمكنوا من المؤمنين فهم ينكلون بهم أبشع تنكيل دون مراعاة لأي اعتبار ، وقد يقول قائل : إنهم معنا على أحسن ما يكون ؛ بشاشة وجه وحسن استقبال إلى آخره ، فكيف إذا تمكنوا منا انقلبوا إلى وحوش لا ترحم ؟ . ونقول : إن اللّه سبحانه وتعالى يعلم ما يظهر وما يخفى ، وقد علم ما يدور في خواطر المؤمنين فرد عليهم حتى لا يترك هذه الأشياء معلقة داخل نفوسهم ، ولذلك يريد سبحانه وتعالى على هذا الخاطر :
يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ
[ التوبة : 8 ] أي أن اللّه عز وجل ينبه المؤمنين ويحضهم ألا يصدقوا الصورة التي يرونها أمامهم من المشركين ؛ لأنها ليست الحقيقة ، بل هو خداع ونفاق ؛ فهم يقولون القول الحسن ،
تفسير الشعراوى — صفحة 4903 | محمد متولي الشعراوي