والتساؤل هنا يوضح لنا أنهم سيخونون العهد دائما ، كما فعلوا في الماضي ، فكأن الذي يخبر في الماضي يخبر أيضا عن المستقبل ويعلم ما يكون منهم . ويتابع المولى سبحانه وتعالى قوله :
وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ
[ التوبة : 8 ]
ومعنى
« يَظْهَرُوا »
، أي يتمكنوا منكم ، وهم إن تمكنوا من المؤمنين لا يرقبون فيهم إلّا ولا ذمّة ، و « يرقب » من الرقيب الذي يراقب الأشياء . إذن فهم لا يراقبون بمعنى لا يراعون ، أي أنهم لو تمكنوا من المؤمنين لا يراعون ذمة ولا عهدا ولا ميثاقا ، بل يستبيحون كل شئ . وهذا إخبار من الحق سبحانه وتعالى عما في نفوس هؤلاء الكفار من حقد على المؤمنين .
ونلاحظ أن كلمة « يرقبون » غير « ينظرون » ، وغير « يبصرون » ، وهي أيضا غير « يلمحون » وغير « يرمقون » ، مع أنها كلها تؤدى معنى الرؤية بالعين ، ولكن يرقب تعنى يتأمل ويتفحص باهتمام حتى لا تفوته حركة ، لذلك إذا قلنا : إن فلانا يراقب فلانا ، أي لا تفوته حركة من حركاته وهو ينظر لكل حركة تصدر منه . أما كلمة « نظر » فتعنى رأى بجميع عينيه ، وكلمة « لمح » تعنى رأى بمؤخر عينيه ، و « رمق » أي رأى من أعلى . وقوله سبحانه وتعالى
« لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً »
يعنى لا يراعون فيكم عهدا ، ولا يمنع الواحد منهم وازع من أن يفعل أي شئ مهما كان قبيحا ؛ والمثال : أن يرفع الرجل القوى يده ليضرب طفلا صغيرا لا يتحمل ضربته ، هنا يمسك أحدهم بيده ويطلب منه أن يراعى أن الطفل صغير لا يتحمل الضرب ، وأنه ابن فلان قريبه ، وأنهم جيران ؛ فلا يراعى هذا كله ، وإنما ينهال على الطفل ضربا .
وقوله سبحانه وتعالى : « إلا » هي في الأصل اللمعان أي البريق ، و « إلّا » أيضا هي الصوت العالي ، واللمعان والصوت العالي لا فتان لوسائل الإعلام الحسّية ، وهي الأذن والعين ، والإنسان إذا عاهد عهدا فهذا العهد يصبح أمرا واضحا أمامه يلفت عيونه كما يلفتها الشئ اللامع ، ويلفت أذنه كما يلفتها الصوت العالي ، وسمى العهد والكلام « إلّا » لأنه معلوم بالعين والأذن .
هذا هو المعنى اللغوي ، لكن المعنى الاصطلاحي لكلمة « إلّا » هو الغصب ، بأن تشد