تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 4895

مساهمون:

ص٤٨٩٥
إذن فهناك مهمة في الحياة قد يؤديها المجنون ولا يؤديها العاقل ، لأن بعض الناس يعتقد أنه إذا سلب اللّه أحد البشر شيئا فإنه يميز عنه الآخرين ، نقول : لا ، لأن عدل اللّه يأبى إلا أن يعوضه ، ولذلك تجد من فقد عينيه يجعل اللّه عز وجل عيون الناس في خدمته ؛ هذا يأخذ بيده ؛ وهذا يقوده في الطريق ، وهذا يحضر له الطعام والشراب ، وهذا يسقيه . . . إلخ وإن كان الإنسان أعرج مثلا ، تجد هذا يعاونه ، وهذا يأخذه معه في سيارته ، وقد تقف له سيارة أجرة تأخذه إلى حيث يريد . بينما يقضى السليم الساعات يبحث عن سيارة الأجرة بلا فائدة . بل إنك إن نظرت إلى الفقير تجد أنّ اللّه قد جعل له عددا من الأغنياء في خدمته ، ففلان يحرث ويعزق ويعطيه اللّه خير الزراعة ليبيعه ويفيض منه على الفقير ، وآخر يصنع ويتعب ويشقى ليعطى بعضا من دخله للفقير ، بل إنه يشقى مرة أخرى ليعثر على الفقير حقا ليعطيه بعضا من ماله ، والفقير بالفعل يستحق أن يأخذ شريطة ألا يكون مدعيا للفقر . فما دام قد قبل حكم اللّه بالفقر والعجز ، يوضح له ربه : لقد رضيت بأنى أعجزتك ، فخذ من قدرة الأغنياء ما يعينك في حياتك ، فهذا ملك كونى له نظام ، وأقول ذلك حتى نفهم أن الغنى والفقر ، والصحة والمرض ، والقوة والضعف ، إنما هي أغيار ، ولذلك لا أحد يضمن غده ، وعلى الواحد منا إن كان قادرا أن يعطى الفقير ، حتى إذا ضاع منا المال وجدنا من يعطينا ، وأن نساعد المريض ، حتى إذا مرضنا وجدنا من يساعدنا ، وأن نكون في خدمة الناس وقت شدتهم حتى يكونوا في خدمتنا وقت شدتنا . وفي نفس الوقت حين نرى من حرمه اللّه من البصر يجب علينا أن نشكر نعمة اللّه علينا ، ولو رأينا إنسانا يعاني في مشيه تنبهنا إلى نعمة اللّه في أن أعطانا قدرة المشي . وهكذا فالإنسان لا يتنبه إلى النعمة إلا إذا رأى من هو محروم منها . وكذلك أراد الحق أن يرضى كل ذي آفة قبل آفته ولم يتمرد عليها ؛ لذلك يفيض عليه بالخير . إذن فكل إنسان أسلم يستفيد من الإسلام حتى الصبى والمجنون استفادا من
تفسير الشعراوى — صفحة 4895 | محمد متولي الشعراوي