تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 4875

مساهمون:

ص٤٨٧٥
فكأن الليل مثل الذبيحة ، ثم يأتي النهار فيسلخ منه الظلمة وبزيلها عنه ويأتي بالضياء ، فكأن الليل ثوب أسود يأتي عليه ثوب أبيض هو النهار ، فإذا جاء ميعاد الليل رفع الثوب الأبيض أو سلخ النور عن ظمة الليل ؛ لتصبح الدنيا مليئة بظلام الليل ، وكأن النور هو الذي يطرأ على الظلمة فيكسوها بياضا ، أي أن الضوء هو الذي يأتي ويذهب ، بينما الظلمة موجودة ، فإذا جاءها ضوء الشمس صارت نهارا ، وإذا انسلخ منها صارت ليلا . وماذا يحدث عندما تنتهى الأشهر الحرم ؟ يقول الحق سبحانه وتعالى :
فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ
[ التوبة : 5 ] فكأن اللّه سبحانه وتعالى بعد أن أعطى المشركين مهلة أربعة أشهر ، والذين لهم عهد أكثر من ذلك يتركون إلى أن تنتهى مدة العهد ، ومن بعد ذلك يكون عقاب المشرك هو القتل ، لماذا ؟ لأنه لا يجتمع في هذا المكان دينان . ولقائل أن يقول : وأين هي حرية التدين ؟ ونقول : فيه فرق بين بيئة نزل فيها القرآن بلغة أهلها ؛ وعلى رسول من أنفسهم ، أي يعرفونه جيدا ويعرفون تاريخه وماضيه ، وبيئة لها أحكامها الخاصة بحكم التنزيل ، فأولئك الذين نزل القرآن في أرضهم وجاءت الرسالة على رسول منهم وهو موضع ثقة يعرفون صدقه وأمانته ويأتمنونه على كل نفيس وغال يملكونه ، وكان كل ذلك مقدمة للرسالة ، وكانت المقدمة كفيلة إذا قال لهم إنني رسول اللّه لم يكذبوه ؛ لأنه إذا لم يكن قد كذب عليهم طوال أربعين سنة عاشها بينهم ، فهل يكذب على اللّه ؟ الذي لا يكذب على المخلوق أيكذب على اللّه ؟ هذا كلام لا يتفق مع العقل والمنطق ؛ لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى :
رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ
[ التوبة : 128 ] أي ليس غريبا عليكم ، تعرفونه جيدا حتى إنكم كنتم تأتمنونه على أغلى ما تملكون ، وتلقبونه بالأمين في كل شؤون الدنيا ، فكيف ينقلب الأمين غير صادق عندكم ؟ كما أن القرآن الكريم وهو معجزة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم قد جاء
تفسير الشعراوى — صفحة 4875 | محمد متولي الشعراوي